"معضلة الحمار" أو" مفارقة بوريدان" "Buridan's Paradox" كما يطلق عليها نسبة للفرنسي جان بوريدان وهي  من المفارقات المثيرة  التي نسبت ل بوريدان رغم أنها تدور حول ما أثاره قبله أرسطو وغيره من الفلاسفة  ، مستهزئًين  بفكرهم السفسطائي عن القوى الدنيوية وحقيقة الإرادة البشرية في الإختيار  حين يكون الخيار  بين أمرين غير متناقضين بل متشابهين تماماً إلى حد التطابق  ، فتُعْطَى للعقل تقريراً واحدًا  لا يستطيع فيه عمل ترتيبا منطقياً أو لنقل ترتيب للأولويات فيصعب الوصول لخيار .

وجان بوريدان هو كاهن وفيلسوف فرنسي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، كان مهتمًّا بدراسة سلوك الإنسان، ومسألة الدوافع التي تحرك الكائن الحي، وتدفعه لما يقوم به من أفعال، وتحدد ما يفضله من اختيارات.

أين المعضلة ؟!

 ما تطرحه معضلة بوريدان  هو أنه منع حماره من الأكل وتركه جائعاً لأيام ثم أتى به وجعله يقع بين مكدسين من التبن متساويين في الكمية وعلى مسافة متساوية منه ،وكذلك متطابقين في شكلهما الهندسي ومظهرهما الخارجي  فصعب على الحمار ترتيب أولويات منطقية لإختيار إحدي الكومتين وتفضيلها بأي حجة ،ووقف مشلولاً عاجزا عن أخذ قرار ،فيموت جوعاً.

مفارقة معقدة جداً...حمار جائع للغاية وعلى قدم واحدة قريبة بين إثنين من أكوام  التبن اللذيذ.  إنه يريد اتخاذ القرار الأكثر فائدة ، ولكن كليهما يبدو مربحا على حد سواء! النتيجة النهائية؟ حمار جائع مع علفه الذي يحبه ولكنه يموت من الجوع!!

إلى الآن كل هذا يبدو وكأنه هراء فلسفي دون أي تواجد واضح في العالم الواقعي ؟ ولكن الحقيقة أن ذلك ليس هراءاً لأن نسخة من المفارقة نفسها  تظهر في تكنولوجيا المعلومات و الهندسة الكهربائية.

حين يجب تحويل المدخلات إلى البوابة الرقمية المناسبة لتنفيذ أمر ما والتي يتم توفيرها بواسطة جهد مستمر إما إلى 1 أو 0 ثم يتم أخذ تدفقات هذه المدخلات ومعالجتها من البوابة..فيصبح الإدخال إلى البوابة في حالة تدفق مستمر ، مما يعني أنه يتغير باستمرار ولكن يحدث أحيانًا أن يكون الإدخال في حالة وسيطة ، أثناء اللحظة الفاصلة في عملية التغيير بين 1 و 0 عندما تقوم البوابة بتجميعها فتصبح البوابة  الآن مثل الحمار ، وضعت على مسافات متساوية من 1 و 0. لا تستطيع البوابة أن تقرر وتجمد في هذه الحالة المستقرة ، في انتظار تقصير طول الوقت بأي مؤثر ليؤثر على تقليص المقاييس لصالح  أياً من 1 أو 0 ومن ثم يعالج المدخلات.

 ماذا لو وضعنا الفلسفة والتكنولوجيا جانبا ،وتساءلنا كيف يؤثر ذلك علينا ؟ 

عندما يترك لنا الخيار ، نشعر بالعجز مثل الحمار...كل شيء يبدو فجأة مربحا ومع القلق من فقدانه والخوف من اختيار خاطئ ، لا نختار رغم أننا في نهاية المطاف قد نُطوق لكلا الأمرين ونجد في وضع وقت إضافي للتفكير  ،  مخرجاً مؤقتاً ونستمر في ذلك حتى نفاذ الوقت كله دون خيار ،ونسلم العصا لشخص آخر ليختار لأننا  خائفون من أن نصبح حمار بوريدان.

هناك دراسة على كيفية الإختيار العقلاني بين أمرين أو أكثر  وترجيح فكرة أن تحديد الخيارات أو تقليلها أفضل بكثير من إكثارها والدراسة وجدت أنه عند عرض ستة أنواع من أحد المعلبات في متجر فإن 30% من الزبائن يقفون ليستعرضوا الأنواع، و30% من هؤلاء يشترون، أما عند رفع عدد الخيارات إلى 24 نوعا من نفس المعلب ، فإن نسبة 60% من الأشخاص يقفون ليستعرضوا الأنواع ، و3% منهم فقط يشترون مما يدل على صدق المثل القائل "من خيرك حيرك "!

ولك أن تتخيل لو سنحت لك الفرصة أن تجلس لمشاهدة التلفاز تتصفح القنوات تجد بثاً لأستوديو تحليلي يسبق مباراة كرة تعدك بمتعة المشاهدة فتتنقل بين القنوات لحين بدء المباراة فتفاجأ بإعداد لمباراة أخرى لا تقل متعة عن سابقتها وبينما أنت في حيرة أي المبارتين تشاهد تجد نفسك تركت الشاشة على قناة للمسلسلات التركية التي تمل سماعها في الأصل لحين إتخاذ القرار الفارق  فينتهي اللقاءين دون أن تشاهد أيهما وتفرط في  متعتك لعدم قدرتك على الخيار !

خيارات الحياة كثيرة ولكن لا تتكرر!

مسألة المعلبات وأنواعها أو مسألة مشاهدة مباراة  مسألة بسيطة وتبدو سطحية ولكنها ليست كذلك فهي إنعكاس حقيقي لحال الانسان يخشى دائما الخسارة، ويخشى القادم المجهول الذي لا يعرفه، فهو دائم الوقوع في الحيرة، يفكّر فيما سيخسره لو فضّل هذا على ذاك، فيميل إلى المقارنة ويغرق في التردد، والنتيجة أنه أحيانا يختار “أي شيء” بلا وعي أو إدراك، أو ربما لا يختار شيئًا على الإطلاق في أحيان أخرى، فيخسر بذلك كل شيء كما خسر حمار بوريدان حياته!

إلا أن حمار بوريدان كان بلا عقل، فافتقد الإرادة الحرة، فعجز عن الاختيار، أما الإنسان فله عقل وإرادة لذلك فهو مكلف ومسؤول! وما دام مسؤولًا فإنه في كل لحظة عليه أن يختار ويدفع باقي الاختيارات ثمنًا لما اختاره ويكون مسؤولًا عنه !

أعلم أنه سيكون لديك دائما خيارات ..بعضها بسيط مثل نوع المربى والسمن أو مشاهدة مباراة  ، وبعضها معقد  مثل الإختيار بين وظيفتين بنفس الراتب ونفس ساعات العمل وتشتركان في كل المساوئ والميزات أو الإختيار بين شابين تقدما لزواجك . ولكن سيكون لديك دائما خيارات لا تخشى من الفشل في الإختيار ،فالخيارات لا تنتهي ولكن تكرار نفس موقف الإختيار عادة لا يحدث .