لما أنعم الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بفتح خيبر في بداية السنة السابعة للهجرة وإطمأن لنصر الله وجد إمرأة عربية يهودية تقصده وكانت تلك المرأة هي زينب بنت الحارث وقد قامت بالسؤال عن أحب ما يؤكل من اللحم إلى رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وجمعت آراء خبراء قومها من اليهود حول السم الأشد فتكاً والأدنى أجلاً لمن يلعق قليله قبل كثيره..

قصدت المرأة الرسول بعد اداءه لصلاة المغرب  وجلست تنتظره عند رحله وقدمت له شاة من الماعز كهدية بعد أن دست سمها وركزته في كتفها وكان الرسول ص يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة فقبل هديتها وكان ممن حوله مجموعة من الصحابة فدعاهم الرسول للشاة وزينب بنت الحارث تقدم للرسول من كتف الماعز وتنتظر...؛أقبل الرسول على الطعام ونهش نهشة من الكتف بقيت قليلاً في فمه ثم لفظها ثم دعا صحابته للتوقف وقال ذراع الشاة تخبرني أنها مسمومة وكان من بين الصحابة بشر بن البراء فلما رأى الرسول يلفظ اللحم قال مايعني أنه كان  ليلفظه ولكن خشي أن يؤذي ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإمتنع حتى لفظه الرسول حينها سأل النبي زينب لماذا سممت الشاة قالت وكيف عرفت قال أخبرني ذراعها قالت نعم سممتها وما دعاني لذلك أنك لو كنت نبياً حقاً أنجاك الله وإن كنت كاذب نال منك السم واسترحنا منك..

لم يضر الرسول السم وقتها بل إنه في السنة التالية لذلك أي في السنة الثامنة للهجرة  فتح مكة  وكانت في نفس السنة غزوات "الطائف" و"حنين" و"مؤته" وفي السنة التاسعة كانت غزوة "تبوك" وكلها كان الرسول صلى الله عليه وسلم قائداً يتقدم صفوف المسلمين وهو ما يعني أن النبي مارس حياه بشكل طبيعي وشارك في الغزوات وعقد الإتفاقيات والمعاهدات...

رأيان حول وفاة الرسول بالسم:

  • الرأي الأول 

وهو الرأي المتآلف مع المعنى المباشر للآية الكريمة {والله يعصمك من الناس} سورة المائدة (67) وفيه ما قد يفسر بظاهره من أنه وعد من الله من أن يقي رسوله شر الناس بعصمة منه جل وعلىٰ شأنه وبذلك فإن مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مسموماً لا تجوز والدليل أن من أثر السم الوفاة المباشرة بعد وصوله للجوف بأي كمية نظراً لشدة فتكه التى جعلت اليهود يرشحونه لزينب وهوما حدث مع من مات شهيداً بأثره من الصحابة وهو أيضاً ما لم يحدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عاش حتى السنة الحادية عشر للهجرة أي عاش قرابة الأربع سنوات حياة عادية بل إنه شارك قائداً في غزواته وفتوحاته وابرم الاتفاقيات والمعاهدات دون أثر واضح لذلك السم.. 

  • الرأي الآخر

وهو رأي ذو شقين..

أما الشق الأول منه هو تخصيص للآية الكريمة الخاصة بعصمة الله للرسول من الناس بأنها عصمة للتمكين من إبلاغ الرسالة وذلك إستناداً لما سبق لقوله تعالىٰ {والله يعصمك من الناس} في ذات الآية 67 من سورة المائدة حيث أن الآية كاملة نصها هو {{يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}} وهي تفسر كونها عصمة للحفظ حتى يتم التبليغ الكامل للرسالة دون أن يقتل وليست عصمة من المرض أو من أذي الناس فجميع الأنبياء أوذوا وجميعهم مرض بل إن الأنبياء  أكثر الخلق إبتلاءاً وقد جرح الرسول وقذف بالحجر وكسرت على رأسه البيضة وإعتدى عليه أهل مكة ولكن مكنه الله من إتمام دعوته ورسالته حتى جاء ليعلن في خطبة الوداع أنه بلغ الرسالة و أتم الدين بقوله (اليوم أتممت لكم دينكم...)،،،

وأما الشق الثاني فهو يتمسك بالعصمة الكاملة الغير مخصصة رغم إقراره بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم  من أثر السم ويستدل بالعصمة  في كون مفعول السم لم يعمل في حينها بل بإرادة الله حفظ نبيه ونجاه من كيد اليهودية وأراد أن يؤتيه فضل الشهادة فأبقى السم دون مفعول حتى أذن الله بإنتهاء أجل نبيه ليرزقه الشهادة ليكون أوتي أعلى الدرجات ويستدل على كون وفاة الرسول الكريم كانت من أثر السم برواية في البخاري للسيدة عائشة رضي الله عنها تقول فيها "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت في خيبر.. فهذا أوان وجدت إنقطاع أبْهُري من ذلك السم"  وفي رواية لإبن السني وأبو نعيم وصححها الألباني في صحيح الجامع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما زالت أكلة خيبر تعاودني في كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبهري "  

 

رواية إستئذان ملك الموت من الرسول لقبض روحه!! 

من الواضح أن  مسألة وفاة النبي بأثر السم تبقى معلقة بمراد الله من عصمة رسوله وهل هي عصمة لتبليغ الرسالة أم عصمة مطلقة وإن كان الرأي الغالب وهو وفاة الرسول الأكرم بأثر السم هو الأقوى نظراً لأن روايات أثر السم مثبت صحتها براوية عائشة رضي الله عنها وغيرها وكذلك مكذوبية حادثة إستئذان ملك الموت للرسول حين أتاه ليقبض روحه في رواية شهيرة تقول أن ملك الموت جاء يطرق باب الرسول ففتحت له إحدى بنات الرسول وبلغت الرسول بوصفه فعرف أنه ملك الموت فسأله هل جئت قابضاً أم زائراً فأجاب جئت زائراً وقابضاً ولكن بلغني ربي أن أستئذنك في القبض أو التاجيل فعجل الرسول بالقبض وهي رواية كانت لتدعم  رأي عدم وفاة الرسول بالسم لو ثبتت صحتها ولو قليلاً

 

وفاة الرسول.. 

بعد عودة نبي الله صلى الله عليه وسلم من البقيع بعد دفن أحد صحابته كان قد أصاب رأسه الألم ولما عاد لبيت عائشة رضي الله عنها قابلته عائشة متألمة من رأسها فأخبرها النبي بوجعه الذي ذكرنا وهو الوجع الذي ألم بالرسول الكريم حتى وفاته وفي فجر الإثنين  الثاني عشر من ربيع الأول لعام 11 هجرية أطل الرسول صلى الله عليه وسلم من حجرة السيدة عائشة على الصحابة وهم يستعدون لصلاة الفجر فابتسم وشاهده أبو بكر رضي الله عنه فتأخر قليلا ظناً ان النبي سيتقدم للصلاة فأومأ له النبي بالصلاة وعاد ليرتكن على السيدة عائشة محتضراً داعياً الله حتى فاضت روحه الطاهرة