وصل الرجل إلى مزرعته فوجد جحشا غريباً يصول ويجول فيها فتساءل  في إستغراب من هذا الجحش ؟..إنه يأكل من مزرعتي وكأنها مزرعة "أبوه" !،لم يدم إندهاش الرجل كثيرا ،وذهب إلى الجحش وقال له في أدب شديد :ما هذا يا أخي.. كيف دخلت مزرعتي ..؟وكيف تأكل من حقلي وأنا لم أئذن لك ؟فلم يعره الجحش إهتماماً واستمر في الأكل.. فكرر الرجل سؤاله... ألا تسمعني لماذا لا ترد على ..؟..!،فأخذ الجحش نفساً عميقاً  ثم واصل الأكل ،فجن جنون الرجل وصاح :اخرج من مزرعتى أيها الجحش ..،لكن الجحش لم يأبه لصراخه وداوم على الأكل ,وبعد محاولات ومحاولات خرج الرجل من المزرعةوهو يتمتم بما يفهم وما لا يفهم من الكلام"!..

..توجه الرجل إلى بيته وعينيه تقطرا غضباً ثم أحضر عصاً غليظة ومطرقة كبيرة ولوح خشب عريض وبعض المسامير وعاد إلى المزرعة حيث الجحش ،وجلس تحت شجرة ظليلة يثبت لوح الخشب في العصا ثم كتب على لوح الخشب بخط عريض "أخرج يا جحش من مزرعتي !" ورفع اللوح عالياً في وجه الجحش صائحاً لعل بسمعه ثقل ,وحين يرى اللوحة يستجب ويرحل  ،ولكن الجحش لم يلتفت إلا إلتفاتة بسيطة ،واستمر في الأكل ثم نام في مكانه وبعد وقت قام من نومه ليواصل الأكل  مرة أخرى ،والرجل رافعاً لوحه حتى غربت الشمس..احتار الرجل في أمره فذهب لجارٍ له يثق برأيه يطلب نصيحته ، وبعد أن قص عليه مافعله مع الجحش وما فعل الجحش معه نظر الجار للرجل نظرة الخبير ثم قال له :ما هذا الذي تفعله أيها الرجل الطيب! ..حتى الجحوش لم تسلم من طيبتك ..أتظن أن يستجيب الجحش لما تفعل ؟!ثم واصل :إن لهجتك معه كانت لهجة ضعيفة..!، ثم انتفض الرجل من مكانه وقال له سأحضر بعض الجيران المحبين ونأتي معك ،ودخل لأحد الغرف القريبة وأحضر بعض الخشب والمطارق والعصي وأحضر الجيران وتوجهوا للمزرعة وتحت نفس الشجرة الظليلة جلسوا ليثبتوا لوحات أخرى  بعبارات أخرى "اخرج أيها الجحش الملعون !","الموت للجحش!" ، " الويل لك! " ،"صاحب المزرعة قاهر الجحوش!" وطلب الجار من بقية الجيران أن يرددوا العبارات بصوت عالٍ وقوي ليرهبوا الجحش ثم قال لصاحب المزرعة وبنظرة الواثق من النتيجة.."هكذا  يكون التعامل مع مثل هؤلاء من الجحوش!

   أخذ الجحش ينهق بصوت رقيق ،فاستبشروا خيراً ..لعله عرف خطأه ويبدي إعتذاره عما اقترف ،ولكن الجحش في الحقيقة كان يعلن عن بعض سعادته بلذة الأكل أو ربما سعادته بهم أيضاً ،ثم عاد لأكله يواصل ويواصل وهم ما زالوا يصرخون ويرفعون عبارات "اذهب إلى الجحيم أيها الجحش !"،"الموت للجحوش!" حتى جاء المساء يدرك المكان بظلامه فانصرف الناس على أن يعودوا في الصباح ليشاركوا جارهم في مصابه فالجحش قد أكل أكثر من ربع مزرعته ،وقد باتوا ليلتهم يفكرون في حيلة جديدة فحناجرهم وحلوقهم هلكت من الصياح والصراخ  ولم يفهمهم ،والخوف من أن يستمر في أكله حتى ينتقل لحقولهم أصبح خطراً يطارد الجميع  ،فهداهم فكرهم الجهنمي أن يحضروا صورة جحش يشبهه ثم يشعلون النار فيها ليخيفوه ويرعبوه فلا يجد أمامه سوى أن ينفد بجلده ،نفذوا الفكرة بين صراخ وهتاف  لكن الجحش جحش ..،رفع نظره يتابع النار وهو مازال يأكل ويمضغ  ولم يبد أي اهتمام ، يأس الناس من خطتهم وأظلم يوم أخر عليهم فعادوا لبيوتهم وفي طريق العودة أشار عليهم أحدهم بأن يذهبوا لرجل يرونه حكيم القرية فيستشيروه في أمر هذا الجحش  وبالفعل ذهبوا له فرحب الرجل بهم وهدأ من روعهم واستمع لقصتهم بحرصٍ وعناية!

  لما فرغ الناس من حكايتهم للرجل الذي تبدو عليه علامات الوقار والمهابة تنهد تنهيدة طويلة ثم قال" ياله من جحشٍ عنيد!" ثم تابع بفطنةٍ شديدة وذكاءٍ حاد وبصوت به عصارة وخبرة السنين  وهو يداعب لحيته البيضاء  " مما حدثتموني به يتضح لي أن الجحش صغير وطائش ،ومكابر أيضاً ،وما دام الجحش صغير فلابد أن  في البلدة قريب له من الحمير أكبر منه ،وأكثر حكمة وله تأثيرٌ عليه ويسمع كلامه ،,إن ذهبتم  له أعانكم على الجحش وعلى طيشه وعاونكم في اخراجه !"..أنهى الرجل كلامه فصاح الحضور إعجاباً بالرأى السديد ،وانحنى بعضهم ليقبل يده ،حامدين الله أن هداهم لأن يستنيروا برأيه وخرجوا من عنده مسرورين مسرعين لينفذوا ما قاله ...!

   خرج الناس من عند الحكيم ,وأخذوا يستقصون عن الجحش وأصوله وعلاقاته حتى توصلوا لحمار كبير يشاع في البلدة أنه أبوه فلما وصلوا مكانه دخلوا عليه بهدية من شعير كثير وتبنٍ وفير ،وإشتكوا له ابنه وشرحوا له الأمر ،والحمار ينظر لهم ،ويأكل مما جلبوا ويهز ذيله ولا يرد ،يزيدون في الشرح وهو يزيد في هز ذيله ويأكل فأيقنوا تجاوبه معهم فأخذوه  إلى الحقل ،وهناك أشاروا إلى الجحش وقالوا له انظر ماذا يفعل !!...أيرضيك هذا ؟  والحمار ينظر للحقل ويمخر بأنفه ويهز ذيله وهم يواصلون :لقد أكل ثلث المزرعة ونحن رضينا حكمك فيه ..فتصرف معه.. 

.تطلع الحمار للمزرعة تطلع الفاحص وتحرك بإتجاه الجحش والناس يتمتمون بما يتوقعون أن يفعله ، ويتابعون حركته حتى وصل للجحش ،واذا به يتمسح فيه تمسحاً يبدو فيه الشوق لإبنه ثم يصطف بجانبه ويأخذ في الأكل ،فهاج الناس ،ولكنهم استأنسوا برأي أحدهم لما قال لعله يحاول إقناعه باللطف بداية هذه حكمة لا ندرك لها بالا تلك هي حكمة الحمير  !،ولكن الوقت طال ولا جديد، الجحش يأكل والحمار يأكل وخسائر الحقل وصاحبه تزيد ،أخذ الناس يصيحون "هيا أخرج الجحش يا حمار " والإثنان لا يلقيان بالاً ،ويستمران في الأكل حتى أمسى الليل فعلم الناس أن المصيبة أصبحت مصيبتين فأخذوا يصيحون ثانية "إلى الجحيم يا حمار " ، " الموت للحمار وللجحش",، مرت أيام وأيام والوضع لم يتغير فتثبتوا أن لا فائدة ولا طائل من ذلك وأن التفاوض هو الطريق لإنهاء تلك المعضلة ..

   ذهب فريق من الناس للحمار وابنه ليقدموا لهما عرضاً بأن يترك صاحب المزرعة لهما مساحة  منها يرعيان فيها ويتركا الباقي له ،فواصلا الأكل دون رد ..ربع المساحة ؟ لا رد ،ثلثها ؟  لا رد ....نصفها ؟ الحمار والجحش يستمران في الاكل  ولا رد   فقال لهما الناس إذن اختارا ما يكفيكما واتركا الباقي ولكن من دون أن تتخطيانه  فتوقف الحمار  عن الاكل ورفع رأسه متأملا ً ثم تحرك للخلف قليلاً ونهق نهيقاً خفيفاً فتبعه الجحش في الحركة وظن الناس أن التفاوض نجح وتمت الموافقة فخطوا خطاً يحدد حدود كل واحد ،وباتوا ليلتهم يحتفلون بما حققوه ولما عاد صاحب المزرعة في الصباح وجد أن الحمار والجحش تركا نصيبهما ويأكلان في نصيبه  فانهار واستغاث ثانية بجيرانه فهبوا إليه منددين بما فعل الحمار وابنه ومتظاهرين أمام المزرعة في أعداد غفيرة ولم يبقى أحد في البلدة إلا وقد جاء بعد أن كانت المشاركة للكبراء فقط لينددوا ويفضحوا ظلم الحمار والجحش وبينما التظاهر يشتد  في ظل لا مبالاة من الحمار أوجحشه يقترب طفلاً صغيراً ليرى المشهد عن قرب ممسكاً بخيارة يقضم منها واذا بالجحش يخطفها منه فيبكى الطفل قليلاً ثم يلتقط عود حطبٍ صغير ويلسع الجحش به على قفاه ثم يتبعها بلسعة أخرى لقفا الحمار فيفران أمامه وهو يلاحقهما لسعاً ،وظلا يجريان حتى غابا عن المشهد ... 

 

 القصة ،وبما فيها من إسقاطات تصلح لكل شيء قد يشوهها الشرح أو التوضيح ،ولكن ما قد يغيب عن النظر وليس الفهم هو الحكمة والقدرة المصطنعة لأعداء ليس لهم حيلة الا بنا وبقلة حيلتنا ،فإن كان الناس يعيبون على الحمير غباءها تجنيا وظلما وما بهم ليس إلا إضطراراً فإنًا نعاب بضعفنا الذى نظنه حكمة ونعاب عى ما نحن فيه من اضطرار الفرار الذي حسبناه قرار ...