هناك ترجيح من علماء النفس أن هناك نوعان من أساليب الإقناع عموما والإحتيال خصوصا ،النوع الأول هو "ألفا"وهو الأكثر إستخداما وفيه يكون الإقناع بزيادة الجاذبية لأمر ما، والثاني هو "أوميجا" ويكون من خلال إضعاف مقاومة الأخر لأمر ما...بمعنى أنه إن اردت إقناعي بشىء فعليك أولا أن تبهرني بالمبالغة في إظهار نقاط قد تكون عادية في حلة غير عادية لما تريد إقناعي به ،وثانيا أن تعمل على نقاط قوة الرفض لدي لتجعلها هشة فأستسلم لك!

لماذا لا تكون مواطناً من مواطني "بويايز"...بويايز هي الجنة !؟

   في عام 1822 لم يكن لمظاهر الحياة الراغدة ولا لجمال الطبيعة وسحرها مكانا في غالبية أرض أسكتلندا ،فبلد الشمال الغربي الأوروبي ذات التربة الصخرية والجو المطير والشمس الغائبة والظلام الغالب لم تكن بأحسن حالا من باقي بريطانيا العظمى التي خرجت لتستعمر البلدان لتستولي علي خيراتها ولتنعم بما حرمت منه طبيعتها بطبيعة غيرها ومواردها وثرواتها ..

   خلال هذا الوقت  لمع إسم جريجور ماكجريجور وهو مواطن أسكتلندي بدأ يعرفه المجتمع من خلال إعلان مبهر غزا به أنحاء البلاد ، وما تضمنه إعلان الرجل كان عرضا بارعا قال فيه ["أنا ابن أحد الصرافين الأثرياء في البلاد ,فأنا جريجور ماكغريجور  أمير أرض "بويايز " تلك الأرض التي هي بطول النهر الأسود في هندوراس ،وهي أكبر من إمارة "ويلز" بقليل( ويلز هي إمارة تابعة للتاج البريطاني مساحتها نحو 21 الف كم2 وذات مناخ معتدل نوعا مقارنة بمناخ بريطانيا العام ),فبويايز أرض خصبة للغاية حتى أنها تنتج 3 محاصيل من الذرة سنويا ،والأشجار فيها أُثقلت فروعها بصنوف الفاكهة اللذيذة والمكتظة ،أما المياه فهي عذبة ونقية وفضفاضة ،ولن يظمأ أبدا من يجاورها ،حتي الغابات فيها فهي مليئة بكل ما تحب أن تصطاده من الطرائد( الطرائد كل ما قد يقع كفريسة للصيد من غزلان وأرانب برية وغيرها..).،وكتل الذهب تزين ضفاف النهر تنتظر من يكتنز منها ] استمر جريجور في رسم الصورة الإعلانية بإبهار شديد صورت "بويايز " كأنها قطعة من جنات عدن مخاطبا وجدان الاسكتلنديين المحرومين من هذا كله بصورة نقيضة لما يجدوه في بلادهم وبما أسال لعابهم حقاً ثم واصل إعلانه [ إن ما تفتقده أرض "بويايز " أناس مثلكم يستوطنوها ويستثمرون هذه الموارد الغنية ويطوروها ويستفيدوا منها بأسهل وأكمل وجه !] جاذبية إعلان جريجوري كانت ذات إيقاع سريع جعلته فرصة عظيمة لكل من يبحث عن العيش الرغد بجعله يبدو سهلاً بل وجعلك أنت الشخص المثالي لذلك ،خصوصا وأن الهجرة والإستثمار في دول الأمريكتين كانت قد أخذت منحى هام في ذلك الوقت !

براعة جريجور في الإقناع :

لم يكتف ماكجريجور بإعلانه بل دعمه بلقاءات صحفية تحدث خلالها عن سهولة ذلك الإستثمار وتلك الفرصة العظيمة التي قد لا تأتي ثانية ومجَد ثقافة ووعي ذلك الشخص الذي سيستثمر هناك بأنه لن يكون فقط شخص ذكي بل سيكون رجلا بمعنى الكلمة مع تحذيره الشديد من أنه لا وقت للتباطؤ فالفرصة عظيمة وإن أضعناها فأمم غيرنا لن تضيعها وشدد لا تضيعوا وقت هذه هي اللحظة المثالية ،ولا شك أن ثقة جريجور في عرض صفقته كانت مدهشه وأسلوبه كان محفزاً للغاية وحماسياً أيضاً يشعرك بأن من يقدم لك العرض هو شخص ناصح ومحب إنه يشعرك أنه أخ لك يحب لك كل الخير !!!

لم يظهر فقط جريجور كشخص محب ينصح بل كانت لديه كل عناصر الإقناع الاخرى من تبادلية المنفعة بأن تنفعني وأنفعك وذلك بأن تستثمر وتسكن في إمارتي وأنا بالمقابل سأضمن لك العيش الهنيء في جنتي ,وإظهار ندرة الفرصة التي لو ضاعت لن تأتي ثانية فلا وقت للتسويف ,وكذلك الثقة في كونه خبير بما يقوله وتمكنه من كل أدواته وكذلك الثقة في كون الفرصة ستصنع منك انت شخصياً شخصاً اخر أكثر إحتراما وذا وزن بالمجتمع  ظل الأمر هكذا حتى بدت نشراته في الصحف مألوفة وأصبح وجهه كذلك مألوفا للناس ,،ولكن هل اكتفى جريجوري بذلك في سبيل الإقناع بوطن "بويايز "؟

في الحقيقة الرجل كما أشرنا يحب أن يستخدم أدواته بالشكل الأمثل فقد نشر في الصحف صورة لعملة بويايز وهي عملة الدولار البويايزي  ليعطي إنطباعاً أكثر جدية ورسمية ،واستعان بكتاب للكاتب المغمور "توماس سترينجويز " هو كتاب "فضائل الأمة -الجزيرة الصغيرة" نصح الناس بإقتنائه ليعرفوا كل شىء عن بويايز حتى صار إسم بويايز إسما مشهورا وسط العامة وبدأت الطلبات تنهال على الرجل وبدأ في حصد الرسوم وأصبحت كثافة الطلبات خير عون كدعاية إضافية حتى أصبح حديث الساعة !

الدولار البويايزي الوهمى

تنفيذ الحلم !

جاءت لحظة التنفيذ في نقل مواطني بويايز الجدد بعد أن دفعوا كلفة الإستثمار الواعد وهم يرسمون الآمال الوردية الحالمة ويتوقون لوطنهم الأخضر المنعم كما رسموه على وقع كلمات جريجور البراقة ،وبعد أن قبض جريجور حوالي 200 ألف جنيه استرليني وهو مبلغ ضخم يتخطى ال 100 مليون بحسابات الوقت الحالي  اقنع سبع سفن كبيرة بالتوجه لنقل الناس عبر المحيط الأطلسي  إلى مملكة بويايز الموعودة وتوجهت أول سفينتين تحملان قرابة ال 250 راكباً اليها ،كانت الرحلة سعيدة فالناس سعداء بإغتنام الفرصة وكل منهم يحفز الآخر بما سمعه عن بويايز فتزيد النشوة ،كان سحر كلمات جريجور عن بويايز قد أسكر الناس ويزيد سكرهم بها كلما استعادوها واستعادت ذاكرتهم حماسته فيتحمسون أكثر ويتمنون لو بين غمضة عين وانتباهتها يصلون لجنتهم الموعودة..

بعد شهرين من المغادرة كانت الرحلة توشك على نهايتها الناس يتأهبون للنظرة الأولى للجنة المأمولة  والتي ستمسح كل آثار السفر وتعبه فهم يتوقون لشجر الفاكهة اللذيذة والمياه العذبة ومناظر تلال الذهب ويتصورون كيف سيقضون يومهم الأول وبأي مكان يبدأون وكيف سيتقاسموا نعيم بويايز وإذا بالحلم ينقلب لكابوس الأرض مقفرة ،أشجار الفاكهة غير موجودة وتلال الذهب على جانبي النهر  ليست هناك  بل إن النهر نفسه ليس له أصل !والناس تتساءل هل يمكن أن نكون قد خدعنا فقوة كلمات جريجور وصدق تعبيرها ومظهره لا ينبئون بكونه محتال وإن كان محتالا فماذا عن الأحاديث والمقابلات الصحفية و الدولار البويايزي هل كان كل ذلك مفبرك وإن كان الامر كذلك فماذا عن الكتاب الذي إشتريناه ويتكلم عن بويايز ويصف حياتها..!

لم يستطع الناس تقبل الحقيقة ،حقيقة الخدعة رغم كل بوادئها فلم يكن لبويايز وجود من الأصل إلا في خيال ماكجريجور الواسع والخصب والمقابلات الصحفية الأكيد أنها كانت مدفوعة الأجر أو جاْته بعد أن إكتسب إعلانه شهرة والدولار البويازي مزيف ،وأما الكتاب فكان لكاتب وهمي وما مؤلفه سترينجويز إلا  جريجور نفسه ألف الكتاب ونسبه لشخص غير موجود ..انكشف جريجور ولكن بعد أن شرد المستوطنين ،ولم يسلم منهم  سوى الثلث أنقذتهم سفينة مارة ونقلتهم إلى مدينة بليز ووجهت البحرية البريطانية استدعاء لبقية السفن الخمس قبل وصولها وأجبرتهم على العودة ....

ماذا كان مصير جريجور؟

الإحتيال مرض يجعل صاحبه يستمتع بإيقاع الفريسة ويتلذذ بنجاح خططه وحبكاته,وبنجاح الخطة تزداد رغبة المواصلة والمتابعة ونجاعة البحث عن ضحية أخرى ،وكلما وجد من يستجيب لخداعة زاد إعجابه بنفسه ،وزادت جرأته على الناس واغتر بمهارته وهو ما حدث مع ماكجريجور الذي هرب بالمال الذي حصله من الاسكتلنديين إلى فرنسا قبل أن تتمكن منه السلطات في أسكتلندا ،ولأن الاحتيال كالمرض فهو يترك خللاً فيك مهما كنت بارعاً وهذا الخلل  ساقه إلى مصيره المحتوم وذلك  حين كرر ما فعله مع الاسكتلنديين في فرنسا ونشر إعلاناً للترويج بذات الفكرة أرض بويايز ومع رواج الفكرة وتلقيه لطلبات الإستثمار للذهاب لتلك البلد التي لم يسمع عنها أحد تشككت السلطات الفرنسية في الامر وبدأ التحقق من الأمر والتحقيق فيه وسرعان ماتم القبض على ماكجريجور والقاءه في السجن وبعد انهاء العقوبة أعادوه لإدنبره في اسكتلندا ليطارده من نصب عليهم ليضطر للهروب مرة أخرى  ولكن إلى فنزويلا التى توفى بها عام  1845 بعد أن سطر أكبر وأجرأ عملية نصب محكمة