لو أن هناك جارين كلا منهما له مزرعة صغيرة وأسرة وظلت المزرعة تسد إحتياجهم من الغذاء والباقي يبيعونه ليستطيعوا كفاية أنفسهم من الإحتياجات الأخرى من ملبس ومشرب ومياه وكهرباء  وغيره ومع زيادة أفراد الأسرة ونمو أطفالها أصبحت لهم حاجات أخرى لا تسدها إيرادات المزرعة فكان لابد من حل إقتصادي  لمواجهة إحتياجات الحياة وبدأ الجاران البحث عن ذلك الحل وكان أقرب ما طرأ علي تفكيرهما هو الإقتراض وتوجه كلا منهما لجار يقرضه مالا يتغلب به على ضائقته.

الجار لأول أخذ المال وذهب ليشتري إحتياجات الأسرة مباشرة وبدأ في صرف المال على تزيين البيت وشراء بعض الكماليات والترفيه ولكنه حين جاء وقت سداد القرض وجد نفس المشكلة إيرادات مزرعته لا تكفي حاجته ولا تعينه على سداد القرض ففكر في الإقتراض مرة أخرى وبالفعل إقترض مبلغ أخر وفعل به مثل ما فعله بالقرض الأول وجاء موعد سداد القرض فوجد أن ما يتحصل عليه لا يكفيه فكيف سيفيض منه ليسد قرضه فقرر وقتها التوجه للاقتراض مرة أخرى ولكن لسمعته السيئة في سداد قروضه لم يجد أحدا يقرضه وأصبح حاله بعد الإقتراض أسوأ منه قبله مع أن المفترض العكس بل إنه ومع الوقت أفلس تماما..

وأما الجار الثاني حين حصل على القرض فإن أول ما فكر به هو كيف سيوفر المال لسداد أقساط ذلك القرض فوجد ان مسألة أن يقوم بصرف المال على إحتياجاته مباشرة ستصعب من مهمته في سداد القرض ولن تحل مشكلاته المالية فقرر أن يشتري ماكينة طحن غلال تكفيه والفائض منها يبيعه لسد باقي إحتياجاته وسداد القرض وبالفعل إنتهى من سداد القرض ففكر في زيادة موارده بصورة أكبر وقرر عمل مخبز  ولكن لم يكن معه المال الكافي ففكر في الإقتراض مرة ثانية وبنفس الطريقة سدد وكل مرة يسدد ويفكر في زيادة موارده ويقترض ويسدد ولسمعته الطيبة في السداد كان يجد من يقرضه في كل مرة...

ولا يختلف هذا كثيرا عما يحدث مع الدول فحين تزيد الأعباء الإقتصادية على الدول يكون أمامها عدة حلول للتغلب على توفير المال اللازم لمواجهة تلك الأعباء  منها زيادة الضرائب وهو الحل الذي لا تقبله الشعوب وقد تثور له والحل الثاني بيع بعض أصول الدولة ومرافقها لدول أخرى بعقد إمتياز لفترة وهو حل غالبا ما يكون بعقود غير عادلة وليست في صالح الدولة وحل ثالث بطباعة مزيد من النقود وسيكون بمثابة انتحار للدولة لأنه سيؤدي للتضخم والحل الأسهل دائما يكون التوجه للإقتراض...

 

وإن كنا تحدثنا عن أن سمعة الشخص تسهل أو تصعب مسألة إقتراضه عند حاجته فإن الدول لديها مؤشر شبيه بمؤشر السمعة يقيس قدراتها الإقتصادية والإدارية التي تمكنها من سداد القرض حين الإقتراض من عدمه  وهو ما يسمى التصنيف الإئتماني وفيه تقوم وكالات خاصة بدراسة قدرات الدول والشركات من ناحية كفاءة إدارة الأموال المقترضة والقدرة على الوفاء بإلتزاماتها ومخاطر عدم السداد بها ،وقد نتذكر الازمة الإقتصادية العالمية سنة 2008 والتي تسببت في إنهيار بورصات العالم و الإنتقادات التي وجهت لهذه الوكالات ومصداقياتها واتهامها بالفساد والتي جعلتها ومنذ ذلك الوقت تتخذ تحليلات ودراسات وشروط دقيقة وصارمة تحكم تصنيفها الإئتماني وأكثر هذه الوكالات شهرة هي ثلاث وكالات عالمية يطلق عليها الوكالات الثلاث الكبرى مختصة بالتصنيف الإئتماني العالمي للدول والشركات هي وكالة إستاندرد اند بورز ،ووكالة فيتش ووكالة موديز وكلها وكالات أمريكية  ويكون فيها  التصنيف   العام AAA ممتاز و  AA جيد جدا جدا و A جيد جدا  في حين BBB تصنيف جيد و BB تصنيف متوسط مع مخاطر مضاربة  و B مقبول مع زيادة المضاربة في حين التصنيف CCC منخفض و CC سيء و  C خطير جدا  

دول ستندهش من تصنيفها الإئتماني! 

غالبا ما يكون الحكم الإئتماني على الدول من خلال معايير كثيرة ولكن يبقى المعيار الأول هو الناتج المحلى للدولة أو مستوى الدخل مع الأخذ في الإعتبار الحجم العام للدين ومثال لذلك اليابان مثلا فإن قيمة الدخل السنوي لها إجمالا هو 5 تريليون دولار في حين حجم الدين العام هو 12 تريليون دولار وهو ما يفسر التصنيف الإئتماني السلبي لها وليست اليابان وحدها من سيفاجئك تصنيفها الإئتماني رغم القوة الإقتصادية المعروفة عنها فالولايات المتحدة الأمريكية والتي حجم الدخل القومي لها هو 21.3 تريليون دولار في حين الدين العام لها هو 22.5 تريليون دولار هي الأخرى تصنيفها في وكالتين من الثلاث تصنيف سلبي أيضا وسيدهشك أيضا أن  روسيا كذلك ذات تصنيف إئتماني سلبي  في حين بلاد مثل غانا و نيجيريا وأنجولا والفلبين وأوغندا وترينيداد وتوباجو والمغرب في تصنيف إئتماني مستقر و دول مثل سريلانكا وأذربيجان وإندونيسيا في تصنيف إئتماني إيجابي.. ورغم ما قد يتضح من حجم الدين المخيف في دولة مثل اليابان أو الولايات المتحدة أو روسيا  الا أن الرؤية الإقتصادية لها والتخطيط المالي وحجم المشاريع وسياسات الإنفاق الرشيد والهادف تجعل مخاطر السداد لديها وان كانت موجودة رقميا الا انها لا تواجه مشكلات حقيقية في الالتزام بالسداد بل إنها تقوم بإعطاء مساعدات ومنح لدول أخرى كنوع من الدعم لسياساتها أو للحفاظ على تواجدها الأقتصادي بها . 

ومن هنا فإن إفلاس الدول يأتي مع زيادة الأعباء الإقتصادية مع عدم القدرة على الإنفاق وكذلك عدم القدرة على الوفاء بالدين بسبب فساد الإدارة للأموال المقترضة كما الحال في الدول العربية أو أخطاء في التوجه الإقتصادي أو وجود كوارث طبيعية شديدة تخل بالمعايير الإقتصادية للدولة ومع تكرار عدم القدرة على الالتزام بالسداد ينخفض التصنيف الإئتماني للدولة ولا تجد من يثق في إقراضها فتبحث عن وسائل أخرى كإعطاء حقوق إمتياز وإستغلال  لمرافقها للدول المقترضة كإنتفاع بخطوط السكك الحديدية مثلا او الإتصالات أو الموانئ لتسترد أموالها من أرباحها 

إذن ما المانع حين تتعثر الدولة في أن تبلطج وتقول (مش دافعة إخبطوا راسكم في الحيط) ؟ وكذلك ما الذي سيضرني لو أفلست دولتي... وقتها يمكنني السفر لأي دولة أخرى  ؟

هذا السؤال سيتبادر لذهن الكثيرين حين التعثر وسيكون لسان الحال يقول( مش دافع مفيش فلوس واللي تقدروا تعملوه إعملوه) ،والحقيقة أن هذا التصرف يمكن القيام به في حال الأفراد إن كنت أنت الأقوى أوحتى الأضعف وإستطعت الهرب  وللأسف لا أحد يستطيع أن يهرب بدولته هذ إلى جانب الطبيعي في  الدول المقترضة والتي تفشل في سداد قروضها هو ضعف في كل المناحي ولو فرضنا لمجرد افتراض انها قوية فإن هناك مجموعة من العقوبات تجعل مصيرها قد يؤول للمجاعة ومنها عقوبات دولية  إقتصادية كمنع التصدير لها أو الاستيراد منها وكذلك الإستحواذ على أصولها وارصدتها في الخارج وغيرها وهو التصرف الذي سيجيب على التساؤل الثاني بعدم وجود ضرر علي كمواطن ما دمت أمتلك دخلي الخاص الحقيقة ان الأمر ليس بهذه البساطة فحين تفشل الدول في الوفاء بإلتزاماتها تتجه لسياسات علاج مسكنة ولكنها خطيرة وخاطئة  فبداية ترفع الضرائب فترتفع الأسعار وتضطر لطباعة المزيد من النقود لمواجهة الأسعار  فتزيد الأسعار أكثر ويحدث التضخم وتكون أسعار السلع لا توازي قيمتها الحقيقية ومع الوقت تفقد العملة المحلية قيمتها فتجد نفسك لا تستطيع ركوب السيارة لأنه في الغالب لن تجد بنزين ولن يستطيع إبنك الذهاب للمدرسة لأنها في الغالب ستكون مغلقة ولن تستطيع شراء بيضة لإفطار ابنتك فالبيضة ستكون في حاجة لثروة لشرائها  إذن ستقول بسيطة يمكنني السفر لدولة أخرى  .. يؤسفني أن أقول لك أنك في الغالب لن تتمكن من ذلك لأنه إضافة للحصار الإقتصادي يكون هناك حظر ملاحي جوي ومائي ولن يسمح للطائرات والسفن بالخروج من بلدك الا لو سمحت دول مجاورة بعبورك الحدود البرية لها إن وجدت وهو ما سيجعلك تواجه  مصير غير معلوم الأبعاد لأن إفلاس دولتك هو في الحقيقة إفلاس لك.