هل الله قاسي علينا..؟! 

"ثلاث سنوات وأنا بلا عمل تتلطمني الدنيا لدي أطفال صغار لا أستطيع أن أسد جوعهم تمر الأعوام ولا أشتري لأيهم ثوباً واحداً يقيهم لفحة البرد وحمرقة الشمس.. يشير إلي أوسطهم برغيف خبز رآه لم يشر إلى محل الأطباق السريعة والغالية التي تجاور المخبز يبدو أنه يعلم حال أبوه لكنه لم يكن يعلم انه حتى رغيف الخبز لا أستطيع شراءه له.. رضيعتي جف صدر أمها وتكاد تموت كل ليلة من جوعها  لولا بعض الثمار تأتينا بقصد المساعدة من جارٍ لي نعصرها أنا وأمها في فمها، تقدمت للعمل عشرات بل مئات المرات ويتم رفضي حتى إن كانت الوظيفة لم يتقدم لها سوى أنا ونفر من الناس تركوني وقبلوا النفر.."

" مرض صغيري ولم أستطع معالجته.. حتى الآن يتضور جوعاً وألماً رغم أن علاجه لا يكلف كثيراً.. أرهقني حاله كما أكئبني حالي.. مزرعتي الصغيرة قطعت عنها وسيلة الري الوحيدة التى كانت تحييها.. ماتت أشجاري وبارت فداديني حتى أني عرضت بيعها ولم أجد لها من يشتري ولو بعُشر الثمن.. ثم تفاجئت بمجموعة معتدين يستولون عليها.. تراكمت ديوني حتى صرت أفر من الناس في الشوارع... ثلاث سنوات وأنا أدعو لعل الله يجيب، ولكنه لا يجيب وكأني مادعوته .."

" .. ثلاث سنوات مرت كالدهر بعد أن شردت من عملي بعد أن أفنيت فيه شبابي وبدلاً من مكافأتي طردوني لعدم الحاجة..!  عاودت الدعاء فما أعلمه عن الله أنه سميع الدعاء ولكن لماذا لا يستجيب دعائي هل الله قاسي لهذا الحد ألا يرى سروالي المقطوع؟!...ألا يرى أطفالى الباكين جوعاً؟!!ألا يرى وجه زوجتي الشاحب من قلة الزاد والوهن ..؟ ألا يعلم الله أنى مطارد في الليل والنهار أبحث عن عمل ويبحث عني أصحاب الديون... أذهب لأصلي وأطيل الدعاء وأقول لابد أن أطيل الدعاء حتى يسمعني ربي ويقبل مني فبالتأكيد دقيقة أو دقيقتان للدعاء لا تكفي مهراً للإجابة الموعودة .. أدعو في صباحي وأنتظر الإجابة في ليلي وأدعو في ليلي وأنتظر الإجابة في صباحي...ولكن الإجابة لا تأتي ابداً... أتساءل أين رحمة الله.. مللت الدعاء بل إني سئمت الصلاة ولكني أخشى أن أتركها فأجد عقوبات أكبر من الله.. لماذا لا نرى الله لتستأنس قلوبنا بوجوده الم يعلم الله أنهم أخذوا مني أرضي وهي حقي وهم معتدون ألا ينصر الله المظلوم.. أين نصره لي اذن؟!"

كانت هذه من كلمات أحدهم عن حاله شاكياً على إحدي القنوات سمعتها فتعجبت ولم أعلم هل يشكو الله للناس أم يشكو الناس لله أو يشكو الله لله وتساءلت هل لو كان يشكو الله للناس هل لنا أن نمده بمدد بغير مدد الله؟!! ، وهل لو كان يشكو الله لله هل كان الله بحاجة لشكواه حتى يبت فيها؟!!..حقيقةً في البداية أحسست بغصة في حلقي ومع تساؤله عن وجود الله وإجابة الله وعلم الله به  وجدت غصتي زادت في حلقي فحقنتني وخنقتني ولكني لا أخفي أني أحسست ببعض من التعاطف معه فرج عن غصتي قليلاً قبل أن تستدعي ذاكرتي آية من كتاب الله في سورة الأنبياء هي الآية 35 حين يقول المولىٰ عز،وجل  {ولنبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} ، وآية خرى هي الآية رقم 155 في سورة البقرة {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}  وكذلك الآيات 2و3 في بداية سورة العنكبوت {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون *ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين} 

وهنا حضرني التساؤل الذي تساءله الرجل هل الله قاسي؟...وإستحضرت جميع أسماء الله الحسنىٰ لأفتش بينها عن إسم منها يحمل أو يقارب الوصف أو المعنى فوقفت عند إسم الله "الجبار " لأنه يقع على مسامعي وكأن به من الشدة شيء  وحين بحثت في معناه وجدته يحتمل أربع معانٍ ليس من بينها القسوة فالمعنى الأول الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء أما الثاني فبمعنى العلي على كل شيء والمعنى الثالث  المتكبر والمترفع  عن كل شيء والأخير هو من يجْبُر الضعيف ويجبر كل من إنكسر له ويجبر صاحب المصاب بصبره ويجازيه به فوجدت في الإسم رحمة ولطفاً لا شدة وقسوة بل وجدت في أسماء الله الرحمن والرحيم والودود والمجيب  ثم طرأت على أذني جملة  من القرآن تصف الله بأنه شديد العقاب أكثر من مرة حتى أنها وردت ثلاثة عشر مرة فقلت وجدت ما قد يدل على قسوة ولكني وجدتها تكررت كثيرا مقرونة بعدم تقوي الله والكفر وكنتيجة للإصرار على الذنب  في أكثر من واحدة ومقرونة برحمة الله وغفرانه  في أخريات ليهيىء الله النفوس للطاعة بين الترغيب بالوعد والتهديد بالوعيد لكل من تعدى على حرمات الله في إثنتين  وهي من صور العدل لا القسوة فمن يعمل الخير يراه ومن يعمل الشر يراه وبالعودة لهذا الرجل الذي يرى في طرده من العمل وعدم قدرته على توفير الرعاية لأولاده بكل صورها من غذاء وكساء وتطبيب قسوة وتقصيرا من الله فحاش لله أن يكون قاسياً فالقسوة ظلم وحاش لله أن يكون ظالماً فقد وعد الله الجميع بالإختبار على إختلاف أشكاله كما أشرنا في الآيات السابقة وإلا كيف سيُعرف المنافق من الصادق والمحتسب الصابر الشاكر من الجاحد الناكر ووعد الله الجميع بالإبتلاء بإما نقص في المال أو الزاد والثمر والغذاء أو نقص الأنفس والخوف وكلنا سيمر بهم أو بأيهم بعلم الله وقوته حتى الملوك والأكاسرة والقياصرة وحاش لله أن يكون مقصراً فله من الكمال والجلال  ما يقيه أن نتحدث إليه بندية فالله لايؤمر بل يُطلب منه ولا يطلب منه إلا بإنكسار العبد للسيد والمملوك للمالك  وبحكمته يلبي أو يؤجل أو يمنع لأنه يعلم مالا نعلم وفي كل ما يؤتيه فضل وخير حين يحسن كل منا إستقباله والله لايسأل عما يفعل ونحن مسئولين فالله يقول في سورة الأنبياء (23){لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} 

هل الله يتخير لنا؟!! 

وعليه فإنا لانملك من العلم ما يمكننا من إستخلاص حكمة كل شيء ونظن فيما هو خير ما هو أصل الشر وندعوا بالشر دعاءنا بالخير والله يقبل كل الدعاء ولكن بحكمته وعلمه يتخير ما يناسب للإجابة وما يؤجل وما لايقبل وما يختبر به، فنظن أن الله يقسو علينا وهو يتخير لنا ما يصلح لنا او يصلحنا تماماً مثلما يفعل الأب مع أبناءه ولله المثل الأعلىٰ حين يحرم إبنه من المال لإعوجاج فيه فيريد أن يرده وحين يستقيم يعطيه المال الذي يلزمه ويراقب فعله ويكافئه لو أحسن ويحرمه أو يعاقبه لو أساء وبالتأكيد أن الله لا يعاملنا بما نحن أهلاً له بل يمهل ويغفر ويعفو ويقبل التوبة بل إنه يرزق من يعصيه ويوفقه إن أحسن العمل في عمله فالله يعطيه بقدر ما قدم أما المحسن فيجعل له بركة في قليله ولا مانع من أن يختبره فحتى أنبياء الله مروا بفترات إختبار عصيبة في حياتهم من أول آدم الذي أبتلي بالخروج من الجنة ثم أبتلي بقتل قابيل لهابيل ومن بعده أبتلي نوح بخروج إبنه عن طاعته وكفره وهلاكه أليس في ذلك أو ذاك مصيبة بل وأكبر المصائب القتل والكفر في ولديهما وغيرهما من أنبياء الله فقد فقد الرسول صلى الله عليه وسلم كل أبناءه الذكور  في حياته على عينيه وأوذي من قومه وكذلك نبي الله إبراهيم أمر أن يترك زوجه وإبنه الوليد إسماعيل  في بقعة قاحلة من الصحراء لا زرع ولا ماء ولا أنيس ولا مأوى ولا حتى ظل شجرة تركهم فيها ورحل ليكمل دعوته هل هناك ما هو أشد من ذلك على النفس أن تترك قرة عينك وفلذتك للمجهول في العراء... نبي الله أيوب أبتلي بالمرض حتى قيل لم يترك المرض فيه مكان  وإعتزله الناس وتركه الأهل والأصحاب حتى أولاده ما بقي منهم أحد وذهب كل ماله وراحت بساتينه ولما إلتمس العمل لم يقبله أحد أجيراً وخدمت زوجته في البيوت لتعينه وتعيله ثم لفظوها حتى قيل أنها باعت خصلتي شعرها لتطعَََََم وتطعِم زوجها ولما ضاق الحال لأقصاه وأقساه طلبت من زوجها أن يسأل الله الفرج ورفع البلاء  فقال لها كم لبثنا في النعمة والرخاء قالت 80 عاما قال وكم لبثنا في البلاء قالت كما رُجح 18 عاماً فقال لها أستحي أن أطلب من الله أن يرفع بلائي وما لبثنا في البلاء  كما لبثنا في الرخاء... وهذا ما أوجهه لأخينا الذي  نفذ صبره وعلت صرخته للقاصي والداني حتى خانتني دموعي لحاله  وهو في الرخاء طيلة عمره إلا من ثلاث سنوات.. وكأنه لم يدر أن هناك من فقد بصره وصبر وشكر وهناك من رزق المرض بأقسي بشاعاته وصبر وشكر وهناك من فقد ولده وصبر وشكر وهو ليس حاله فقط بل حال الكثيرين منا في لحظات الضيق ننسىٰ لحظات النعمة ونظن بأن الله لم يستجب لنا قط وقد رزقنا ستره بدعاء وطلب وبغير دعاء وطلب ونعمته بطلب وبغير طلب وشفاؤه بطلب وبغير طلب وأمنه بطلب وبغير طلب وكأننا من نطعم ونكسوا ونشفي ونحمي ونرعى فيأتي البلاء لنعي ضعفنا ويأتي البلاء ليقومنا ويأتي البلاء ليطهرنا ويأتي البلاء ليختبرنا وهنا أتذكر  مقولة جميلة من الشيخ الشعراوي رحمه الله حين قال "وقت البلاء لا تنظر لم أخذ منك ولكن أنظر لما بقي لك" ثم تبع ذلك برواية ذات دلالة روى فيها   أن حكيماً صينياً كان يقصده الناس فجاءوه يشكون همومهم ومصابهم  ولما ألحوا في الشكوى طلب من كل واحدٍ منهم أن يكتب مبتلاه في ورقة ويضعه في صندوق في جانب من المكان ثم يعودوا إليه بعد أسبوع ولما عادوا بعد ما فعلوا ما طلب قال لهم على كل واحد منكم أن يأخذ الورقة التي تعجبه من نفس الصندوق فهي حظه الجديد فلما فعلوا أخذ كل واحد يتخير ورقة فيقرأ ما بها فيرميها ثانية ثم يختار أخرى فيرميها وهكذا حتى صاح فيهم الحكيم ماذا دهاكم لماذا لا تختاروا ورقة وتعودوا فقالوا له نريد ورقنا فكل واحد منهم يريد ورقته التي ألقاها ولم يتحمل ما في ورقة غيره وهي حكمة عظيمة تنبه لأن كل مبتلى يظن بأنه الأكثر بلاءاً في الأرض هو ليس كذلك.. 

في الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أن  رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقد قال الله للمرسلين {ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} وقال للمؤمنين {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} ثم ذكر إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب..!يارب..! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي من حرام فأنّى يستجاب له؟ } 

فهذا الحديث الشريف وضح أن من موانع إجابة الدعاء هو أكل الحرام ولبسه.. فلابد من المراجعة للنفس ومحاسبتها دائماً وهذا لا يمنع الدعاء في كل وقت وبكل ما ترجو وإن دعوت فادعو بكل ما تشتهيه نفسك فإنك تدعو كريماً وهاباً ولعلك بدعائك يتكشف لك ذنبك ولعلك بدعائك يهديك الله لخير في نفسك غلبه شرك  فيكون في دعاءك إصلاح فقد روي عن بني اسرائيل قصة ملخصها  أنه تأخر عليهم نزول المطر  فدعا موسى عليه السلام ربه أن ينزل المطر فلم يستجب له فعاد ودعا وسأل الله دعوتك وما إستجبت لي يارب فقال له الله إن في قومك عاصٍ قائم على معصيته 40 سنة ومعصيته تمنع المطر فإن خرج من قومك أنزلت المطر فذهب موسى يقول لقومه إن الله منع المطر لوجود عاص بيننا إن خرج نزل المطر فعرف الرجل نفسه وخي إن خرج إفتضح بين النلس فتاب لله ودعاه أن يستره فأنزل الله المطر.. فشكر موسى ربه وقال إلهي ما أكرمك  أنزلت المطر وما خرج العاصي من بيننا فقال له الله لقد تاب توبة صادقة وأصبح من الصالحين فقال موسى أرني ذلك العبد الصالح فقال الله له أأستره وهو يعصيني وأفضحه وهو يطيعني؟!! 

 

 إن كان الله لا يقبل دعوة العاصين بذنبهم فلماذا لا يقبل دعوة الصالحين؟؟!! 

قد يقول البعض هذا حال إجابة الدعاء مع العاصين ولكن هناك الكثير من المجازر ترتكب بحق الأبرياء وهناك الكثير من المظلومين يقتلوا كل يوم أليست دعوة المظلوم لا ترد أليست ليس بينها وبين الله حائل؟! .. المرضى الذين يملأون المشافي والأطفال الأبرياء الذين يعانون من المرض العضال لماذا لا يستجاب لهم وبالتأكيد هم يتوجهون بالدعاء كل يوم هم وذويهم .. وهنا أشير إلى قوله تعالى {وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. 

مبدأياً وقبل التحدث عن علم الله الذي نجهله مايدريك أن ماأصبت به من بلاء هو كل ما قدر لك وهل تعلم أن الدعاء يغير القدر فإن علمت ذلك فستعرف أن دعاءك ليس فقط ما يستجاب له بشكل مباشر  بل أيضاً مامنع عنك بلاءاً أكبر ببلاءٍ أصغر فهناك الكثير من المرضى عولجوا من السرطانات وأتم الله لهم الشفاء ومنهم أيضاً من أجل شفاءه ومنهم من لم يشفى وهذا الذي لم يشفى ما أدراك أن الله أنجاه بمرضه من هول أكبر سواء لنفسه او من حوله فقد يكون مرضك شفاء لولدك وقد يكون مرضك تطهير لنفسك وقد يكون مرضك آية لك ولغيرك ولربما منع عنك المرض التسلط والكفر مثلاً لو كنت سليما معافا ولربما منعك مرضك من إهلاك نفسك وغيرك بظلم، فكان في مرضك خير أكثر من شفاءك والرسول الكريم يقول "ما من مسلم يدعو الله ليس بإثم ولا بقطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما يدخرها له في الآخرة وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها} 

والله يدري ونحن لا ندري  فقد يحرمنا الله ما نحب لصلاح يريده فلو نظرنا لأم تفطم رضيعها فهي تراه يصرخ ويتضور جوعاً ولكنها ترى مصلحته في تجويعه عن حليبها وأما الطفل فيرى مصلحته ونفعه في أن يلتقم ثديها وفي النهاية تحرمه لتنقله من حال إلى حال ولنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام والتي ذكرت في سورة الكهف لآية فالخضر قتل وهدم وخرب سفينة فقد قتل نفساً هي الغلام بغير نفس وخرب سفينة كانت تقل أبرياء وهدم جدار يتيمين في المدينة فالناظر للمشاهد من خارجها وبظاهرها يرى الخضر مفسد مبين حتى نبي الله موسىٰ وهو نبي لم يفطن للمغزى ولا للمبرر من أفعاله  إلا بعد ما أخبره بعلم علمه الله له لنتيقن جميعاً أن ما قدر لنرى في ظاهره شرٌ ففي باطنه قد يكون الخير الكثير ... 

لذا فنحن بحاجة لليقين بالله والثقة في الله وحسن الظن بالله والتوكل على الله في كل أمورنا فهو العليم الحكيم وأن نضع  بأفهامنا أننا لن نكون في يوم أرحم بعبدٍ من عباد الله  ولا بأنفسنا من الله مهما كان لأفهامنا من تأويل أو تفسير يظل العلم كله لله..