رغم بديهية الإجابة فإن الكثيرين يستنكرون على مسؤولي دولهم وحكوماتهم  هذا الإجحاف والبخل الشديد والمحسوب في طباعة الأوراق المالية مانعين شعوبهم من "الإنبساط" و"النغنغة" في ظل أن المال  شريان من شرايين الحياة الأولى وذات اللافتة المتقدمة بين أيدينا جميعا ...

والحقيقة أن كل دولة لها عملة تميزها... تستمد تصميمها من خلال تاريخها تعبر بها عن حضارتها وتكون سفير لها يعطي لها كثيرا من الأهمية و"البرستيج" ...!! وقديما لم يكن للعملة وجود ولكن كان نظام البيع والشراء بالمقايضة أي أنك تمتلك شيئا لا أمتلكه أنا فأعطيك بعضا مما عندي نظير بعض مما عندك حتى بدأ التفكير بإستخدام عملية تنظم البيع والشراء وكانت الصين من له اليد الأولى في ذلك قبل الف عام  وذلك باستخدام حلقات معدنية تكافيء قيمة الأشياء ثم تطورت بعد ذلك لنظام صك العملات الذي بدعته مدينة ليديا غرب تركيا حاليا... 

طباعة الأوراق المالية كانت منظمة بإحتياطي الذهب حتى قبل أواخر ثلاثينيات القرن العشرين بمعنى أن تقوم الحكومات بطباعة المال كورقة إيصال مقابلة لمخزون الذهب الذي تمتلكه وصار الأمر هكذا حتى بدأ التجار الكبار للذهب في عمل خلل إقتصادي للدول بتكنيز وادخار ذلك الذهب لأنه الموجه لقيمة كل التعاملات المادية وبدأ يكون هناك تجار أغنى من دولهم ويتحكمون في إقتصاديات الدولة وتوجيهها بشكل سمح بتآكل الطبقة المتوسطة تماما وبدأت الدول تفرض القيود والقوانين المنظمة لتجارة الذهب وإدخاله ولكن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح لأن الذهب كغيره من العناصر الثمينة يهرب والكثيرون ينجحون في ذلك بعلاقتهم وأموالهم فبدأت الدول في فصل طباعة الاوراق النقدية عن مخزون الذهب تماما وجرى ربطه بشيء أكثر واقعية وثباتا وتحفيزا....

 

مع نهاية الثلاثينات من القرن الماضي بدأت الدول تتجه لربط طباعة العملة بشيء آخر يحفظ قيمتها ويكون أكثر واقعية وهو ربطها بالإنتاج  أي كلما كانت الدولة تستطيع أن تكفي نفسها بإنتاج أكبر فإنها تطبع أكثر لتناسب متطلبات الدفع لهذا الإنتاج لضمان عدم وجود هوات بين المعروض من العملة والموجود في السوق من منتج.... 

ومثال على ذلك يوضحه فمثلا لو فرض أنك في بلد صغير وهذا البلد فيه مخبزا يصنع الخبز بإعتباره من أساسيات المعيشة الحياتية وهذا المخبز يصنع 3000 رغيف يوميا لسد احتياج 1000 مواطن هم كل سكان البلدة  وكل فرد فيها قدرته المالية تمكنه من توفير دولار واحد لشراء 3 أرغفة  فيكون نصيب كل فرد يوميا هو 3 أرغفة في حين أن احتياجه الحقيقي أكبر  من هذا  العدد ... في نفس الوقت  كان رئيس البلدة لدية ما كينة طباعة أوراق ماليةتطبع عدد معين من الأوراق المالية نفترضه 100 ألف ورقة  ولكنه قرر مضاعفة ذلك الرقم ليكون 200 ألف ورقة فأصبح بإمكان كل فرد شراء 6 أرغفة بدلا من ثلاثة وإنتاج المخبز كما هو 3000 رغيف هنا سيكون كل فرد معه ما يمكنه من شراء الخبز الكافي وهو 6 أرغفة و أول 500 مواطن يتوجهون للمخبز سيتمكنون من شراء كل الخبز وسيبقى ال 500 مواطن الباقين دون خبز رغم أن أموالهم زادت فيقوم صاحب المخبز برفع ثمن الخبز ويقوم صاحب البلدية بطباعة أوراق مالية ليتوفر المال للمواطنين لشراء الخبز وكلما زادت طباعة الورق زاد الاستهلاك مع ثبات الإنتاج  فيرفع صاحب المخبز السعر فنستمر في دورة مغلقة ويصير الورق المالي بلا قيمة مع ثبات الإنتاج .... ولكن في حالة كان طباعة المال مناسبة لإنتاج أكثر بزيادة إنتاج الخبز في ذلك المخبز أو بتوفير مخابز منتجة أخرى  تنافس لكان استقر السعر وتمت السيطرة لتبقى قيمة الخبز مناسبة للقيمة الحقيقية للعملة . 

وهو ما يجعل تشجيع الإنتاج وليس ضخ العملات المالية وطباعتها هو المعول الأول لرفاهية الشعوب .