للقهوة الكثير من العشاق جعلها تحتل مكانة متميزة في صدر المشروبات الدافئة حول عالمنا ومذاقها الفريد، وتأثيرها المنبه والمنشط جعل العالم يستهلك منها سنوياً ما يقارب العشرة ملايين طن خاصة وأن هناك أكثر  من 70 دولة من إجمالي دول العالم ينتجون القهوة..

بداية القهوة.. أول من شربها :

منشأ القهوة وبدايتها غير معلومتين على سبيل التأكيد  فقيل المنشأ بلاد الصين وقيل غير ذلك، ولكن الأرجح أن أول من إكتشف شجرها كان الإثيوبيون القدماء وأن أول من صنع مشروبها من بذورها بعد تحميصها كان اليمنيون والدليل على ذلك أن أشهر نوعين للقهوة هما كافيا أرابيكا، وكافيا كانيفورا الشهيرة بإسم "روبوستا" والقهوة ارابيكا "العربية" هي القهوة الأعلى مكانة والأجود طعما والأوسع إنتشاراً وتمثل 75 % من سوق البن العالمي وذلك يرجع لأسباب كثيرة منها ان العالم عرف طعم القهوة من خلال البن العربي، كذلك لم تستطع أي من نوعيات البن التي أعقبتها منافستها في مذاقها الخاص والفريد فهناك أنواع أخرى ظهرت من القهوة مثل ليبركا Liberica ، وماوريتيانا Mouritiana ، وإكسيلزا Excelsa، وراسيموزا racemosa ولكنها أقل تصنيفاً بكل تأكيد، وحتى قهوة الموكا الأشهر بينهم هي عربية الأصل وتنسب لميناء موخا اليمني الذي صدرت للخارج من خلاله.. 

رغم الأصل العربي إلا أن المستهلك الأكبر ليس عربي!

 متوسط إستهلاك البن العالمي هو 10 ملايين طن سنوياً منها 7.5 مليون طن من أصل عربي، ومع هذا فإن الدول العشر الأكثر إستهلاكاً للقهوة ليس بينها بلد عربي وسنجد أن الدول الإسكندنافية هي أكثر من يستهلك القهوة أمثال السويد والنرويج والدانمارك، وأيسلندا، وفنلندا وسنلاحظ أنها من الدول ذوات الدخول المرتفعة، وهنا ماقد يفسر أرستقراطية القهوة وإرتباطها بالمرفهين نوعاً من الشعوب ففنلدا يستهلك الفرد فيها كيلوجرام كامل  من البن شهرياً والنرويج 825 جراما من البن، وكذلك أيسلندا والدانمارك 750 جراماً، و725 جراماً على الترتيب، والسويد 700 جراماً شهرياً وقد يعود ذلك الإستهلاك الكبير  إلى أن هذه الدول يقوم نظام العمل لديها على أساس عدد ساعات أقل من المتوسط العالمي مع دخل شهري مرتفع لا يجعل المواطن يفكر في أعمال إضافية مما يمنح الفرصة لقضاء أوقات أكثر مع العائلة والأصدقاء والأقارب والإستمتاع بالحياة أكثر والإستمتاع بشرب القهوة.!

في الشرق.. تحريم القهوة وفرمان بإعدام كل من تسول له نفسه شربها!!

القهوة في اللغة العربية تأتي من الفعل قها ومعناه إرتدت عنه شهوته من غير مرض لأنها كانت تفقد من يشربها شهيته للطعام لبعض الوقت وارتبط إسم القهوة بثلاث أشربة مغلي اللبن(الحليب)، ومغلي البن، والخمر، وقد يكون ذلك هو السبب في منعها دينياً تارة وسياسياً تارة وقد وضع الكازورني فيها ألف مذمة وحرمها الشيوخ العلماء في عصور عدة بداية من وقت قدومها لشبه الجزيرة العربية في القرن السادس عشر الميلادي، وفي مصر واليمن أيضاً وقد منعت عن شربها الفتيات في الريف المصري...

ففي الحجاز منعت وحرمها الشيوخ بعد تأثرهم بإسمها الذي إرتبط بالخمر لغوياً على ما يبدو وكذلك أنه في القرن السادس عشر وبعد تعرف الناس على القهوة ظهرت الكثير من الحانات والمقاهي  التي كان يرتادها النساء والرجال وكانت تقدم لهم فيها القهوة كشراب للتسلية أثناء لعب الشطرنج وبعض الألعاب الأخرى الذي كان منه ما هو محرم كالقمار فبدأ الربط بين الخمر ومجالس الفسق واللهو وقيل أنها تجرئ على الشر وبدأ التحريم والمنع وغلق الحانات والمقاهي..

وفي مصر فقد إرتبطت القهوة أكثر وعرفت من خلال المتصوفة الذين استعانوا بها للتغلب على التعب والإرهاق الذي كانت تسببه لهم حلقات الذكر المتواصل والسهر وخاصة الشاذلية منهم حتى أن القهوة في الجزائر تسمي الشاذلية نسبة للشاذلي صاحب الطريقة وقد ذكر الجزيري أنه قد صدر مرسوماً ملكياً يقضي بغلق ومنع الحانات والمقاهي وكل المسكرات والمنكرات وكان من بينها القهوة والأفيون.

أما السلطان العثماني مراد الرابع فقد كان   أشد، وأقسى من تعامل مع شاربي القهوة فقد قام بمنع المقاهي وهدم الحانات وملاحقة كل من يشرب القهوة لما عرف عنها من أنها تفسد الأفكار وتحرر السلوكيات الغير سوية وتخرج من العفة  حتى أنه  أصدر قراراً بقتل كل من يجاهر بشربها فكان من أكثر من نجحوا في منع القهوة

أوروبا.. القهوة شراب الشيطان.. البابا يجرب القهوة ليفصل في أمرها!!

لم يكن حال عاشقي القهوة في أوربا بأحسن حالا من الشرقيين فمع القرن السابع عشر كانت القهوة قد ظهرت في أوروبا عن طريق التجار العرب وأصبحت منافساً يخشى عليه من تجار النبيذ والبيرة  في مارسيليا وهو ما جعل أحد التجار يطلق حملة ضدها عن طريق طالب جامعي تفيد بأن القهوة شراب الشيطان المر وعمل على إلصاق الاكاذيب المرضية بها ، وأشاع أنها تسبب إلتهاب الكلى والقلب وتعمل على توليد طاقة عنف سلبية في شاربها  تجعله شراً على غيره وعلى نفسه وتسبب شللاً عاماً، وعجزاً جنسياً... ،ولما وصلت بروسيا قام حاكمها فريدريش بمنعها والتحريض ضدها وشجع على شرب البيرة بدلاً منها ونشر بين جنوده أن القهوة تسلب القوة وتجلب الهزيمة ..

،،ولما وصلت فينيسيا كان البابا كليمنت الثامن قد عرف ما يقال عنها من كونها مجلبة للشر وكونها مشروب شيطاني يصيب الروح بالفساد فقرر أن يجربها بنفسه ولما شربها راق له مذاقها وأعجب بها أيما إعجاب حتى أنه أصدر فتوى بإباحتها.

عانت القهوة كثيراً حتى أقنعت أولي الأمر بعفتها وطهارتها ولكنها كوفئت في النهاية بأن أصبحت شراب الصفوة وأصحاب الذوق الرفيع في كل مكان وفي كل قارات العالم وأصبحت ملمحاً من ملامح التقدير للضيوف ولا يكاد يخلو بيت منها حالياً وأدرك الكثيرون فوائد المعتدل من شربها للقلب والدم والذهن والنشط العقلي والجسدي.