قبل أن نستعرض بطلة قصتنا فلعل الكثيرين  منا قد قرأ عن ذلك الجهاز الذي كشفت عنه منذ أعوام  القوات المسلحة المصرية على لسان أحد لواءتها وهو اللواء عبدالعاطي والذي عرف بعد ذلك بإسم عبدالعاطي كفته بعد أن  أعلن أنه صمم جهازا مبتكرا يستطيع من خلاله علاج الكثير من الأمراض المستعصية وأبرزها الإيدز وفيروس سي الكبدي بمجرد مسحة إشعاع من جهازه الذي كان أقرب في مظهره لتلك الأجهزة التي نراها في أفلام الغزو الفضائي الكرتوني.. فقط  بتمرير الأشعة على جسد المصاب معبرا  عن آلية عمل الجهاز بأن الفيروس سيدخل للجهاز من ناحية ليخرج من الناحية الأخرى على هيئة إصبع كفته يتغذي عليه المريض ..!!                   

تم التدشين للإختراع العبقري والإعداد لإطلاقه للعامة لعلاج أمراضهم المستعصية والتي حيرت العلم والعلماء لأعوام وأعوام بحملة دعائية ضخمة غزت الصحف والفضائيات وخرج كبار الأطباء ليؤكدوا فعالية الجهاز المبتكر والترويج بأن وطنية اللواء عبدالعاطي منعته من أن ينتج جهازه خارج مصر  بل تم التصوير بالبث الحي لأعداد من المرضى وهم يتم معاملتهم بالجهاز تحت إشراف اللواء عبدالعاطي شخصيا ليخرج اللواء ليعلن تمام شفاءهم بضغطة زر من جهازه العظيم قبل أن ينكشف الأمر ويتضح أن جهاز عبدالعاطي ما هو إلا قطعة من الحديد لا قيمة لها ولا يستطيع أن يشفي نزلة برد حتى وليس الإيدز.. وإختفي عبدالعاطي بعدها هو وجهازه !!!

هذا بالنسبة لعبدالعاطي كفته أما بالنسبة لمن سنتحدث عنها وهي الفتاه إليزابيث هولمز فالأمر يختلف قليلا فإن كان عبدالعاطي ومنذ الوهلة الأولى حين تراه أو تسمعه ستجده لا يبدو عليه أي مظهر من مظاهر العبقرية ولا حتى مباديء العلم الأساسية  إلا أنه مع ذلك فقد نجح للترويج لجهازه بإستغلال جهل وقلة وعي الجهة التي إختارها للاعلان عن جهازه من خلالها  فإن اليزابيث هولمز كانت مختلفة تماما فتاة جميلة ذكية تتحدث بثقة تبدو عليها علامات النبوغ من أول وهلة تراها أو تسمعها . 

 

ولدت هولمز في فبراير من عام 1984 وقد بدأت خطتها بكل حرفية لتحقق حلمها في أن تصبح مثل من تراهم من  أغنياء العالم في سن التاسعة عشرة حين تركت الهندسة الكيميائية بجامعة ستانفورد لتتفرغ لأفكارها العبقرية متخذة من بدروم منزلها بداية الإنطلاق بشركتها الصغيرة ولا غرابة في حذوها نفس حذو من تريد اللحاق بهم من عباقرة التكنولوجيا أمثال مارك زوكربيرج وبيل جيتس وستيف جوبز الذين تركوا دراستهم ليتفرغوا لأعمالهم بوادي السليكون الأمريكي ذلك المكان الذي كان بداية كل كشف تكنولوجي تقريبا خرج للعالم، وأفرطت اليزابيث في تقليد جوبز تحديدا حتى في سترته السوداء وطريقة تعامله مع أغلفة المجلات والجرائد  والعمل بلا إجازات واللقاء مع مرؤوسيها في نفس اليوم الاسبوعي لاجتماع جوبز حتى أطلق عليها لقب ستيف جوبز القادم .

أسست هولمز شركة ثيرانوز ( Theranos)  وهي شركة تعتمد في مجمل عملها على جهاز تحليل دم عبقري يقوم ومن خلال قطرة دم واحدة بالكشف عن كل الأمراض التي يمكن أن يكون مصاب بها الشخص .. روجت هولمز لجهازها بكل ثقة وبأسلوب بسيط وسهل وغير مركب ولا يحتوي مصطلحات كثيرة وكبيرة وبمظهرها الجذاب وصوتها العميق الحاد الواثق  اخترقت هولمز أسماع وقلوب كل من رآها وسمعها من أصحاب أعمال أو مواطنين عاديين وبدأ يذيع صيتها في وادي السيليكون وبدأت المجلات العلمية وغير العلمية تأخذها عنوانا لها وأصبحت ملهمة للجميع الأمر الذي مكنها للظهور مع العديد من الشخصيات ثقيلة الوزن كالرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون أو جاك ما صاحب مؤسسة علي بابا الضخمة وقد ظهر كلينتون في أحد البرامج بصحبتها وهو يعلن انه لا خوف على أمريكا مادامت في أيد أمينة كأيدي هولمز وهوما مكنها من توثيق وتعميق ما وصلت اليه من شهرة وإنتشرت معاملها في كامل الولايات المتحدة والتي كانت تكلفة تحاليل معاملها لا تتعدى 2.5٪ من قيمة نفس التحاليل للشركات المنافسة  .                                                         

كانت هولمز تمتلك من الذكاء والتأثير ما مكنها من إستكمال مخططها لتصبح أصغر مليارديرة في العالم وكانت تعرف أن نقطة قوتها في وادي السليكون هو أنها إختارت مجالا لا يفهمه ولا يدركه ايا من عباقرة السليكون وهو المجال الطبي مما فتح لها المجال لتقول كل شيء وأي شيء ليصبح وكأنه حقيقة متبعة في ذلك  قواعد لفرض ادعاءاتها تلتزم بها حرفيا من جدية ومظهر صارم ومبتسم وواثق وكلمات قصيرة لا تحمل تفاصيل ونتيجة مبهرة وإستخلاص عبقري في نهاية كل حديث يجعل الجميع لا يهتم لسطحية المقدمات منبهرا بعبقرية النتيجة حتى وصلت لأن يبلغ حجم استثماراتها ومبيعاتها ما يتعدي ال9 مليار دولار !

جون كاريرو صحفي أميركي شغله ما وصلت إليه هولمز من مكانة وكان يحيره ويدهشه لغز أنه بثقافته الضئيلة عن عالم المختبرات يعلم تماما بأن الاختبارات الطبية تختلف فيما بينها في شروط إجراءها وكذلك  أن أحدهم قد يحتاج ظرف معين لا يناسب الأخر  والآخر يتطلب ظلام مثلا والثالث يحتاج مدة معينة فكيف لنقطة دم واحدة أن تمكن من ذلك علاوة إلى تركيزه في تفاصيل هولمز القليلة حين تتحدث عن أمر ما والتي  كانت بارعة في جعلك تسمع ما تتمنى سماعه دون تفاصيل لا تقنع من يدقق ويخرج من تأثير إبهارها الشديد  ..

بعدها تم البحث في نتائج مختبرات ثيرانوس والمفاجأة  أنها كانت غير صحيحة مما دفع للبحث أكثر في ملفاتها ليتم إكتشاف تزويرها للكثير من النتائج وكذلك إعلانها لتعاقدات وهمية مع جهات ومؤسسات كبيرة ليزداد الثقل الأقتصادي للشركة وخصوصا اداعائها بأن الجيش الأمريكي استخدم أحد أجهزتها في حربه في أفغانستان. 

تهاوت أسهم الشركة وأصبحت الفتاة التي خدعت الامريكان لمدة 15 عاما وصاحبة لقبي جوبز القادم والمليارديرة الأصغر  مهددة بالسجن خاصة بعد أن تم تحديد العام القادم ليكون عام الفصل القضائي في أزمتها التي بررت فيها الهيئة المخصصة للدفاع عنها بأن كل ما تتعرض له هولمز هو ادعاءات وأن النتائج الغير صحية ترجع لخطأ علمي ولم تكن نصبا أو إحتيالا !