حين نضرب المثل في الصبر فقد إعتدنا أن نقتدي بنبي الله أيوب عليه السلام مثالاً يحتذي به ويشار إليه لكل صاحب هم أو كرب لمواساته أو للمقارنة حين يشتد المصاب.. فما الذي جعل هذا النبي الكريم مضربا ومثالا في الصبر وما الذي طاله من مصاب الدنيا  ؟

.. نبي الله أيوب عليه السلام هو من نسل إبراهيم عليه السلام كما ورد في القرآن في سورة الأنعام الٱية 84 وقيل عن نسبه انه يمتد لإسحق بن إبراهيم وقيل يمتد لإسحق بن يعقوب وقيل أن زوجته كانت ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت إفرائيم وقيل منشا بنت يوسف بن يعقوب  وعن أمه فقد قيل أنها كانت بنت نبي الله لوط عليه السلام كما ذكر بن عساكر  .

وقد أثنى القرآن الكريم على أيوب وصبره فقيل في آخر الأية رقم 44 من صورة ص {{.. نعم العبد إنه أواب }} وقد ورد أن الله رزق أيوب من كل خير الدنيا فقد رزقه بالذرية الكثيرة والولد والمال والمكانة بين الناس والزوجة الصالحة والأنعام والعبيد والأرض المتسعة حتى قيل أن أرض حوران كانت كلها له وأراد الله أن يذهبها عنه جميعها إختبارا وإمتحانا لصبره فالأنبياء أكثر الناس بلاءا ففقد صحته وفقد ولده وفقد كل ماله وأصيب بمرض في جسدة تمكن من كل جسده عدا قلبه ولسانه وقد قيل في مرضه أنه كان جلديا جعل كل الناس ينفرون منه وقيل كان جزاما يتساقط منه جلده ولم يقف القرآن الكريم على طبيعة مرضه ولم يثبت أنه كان جلديا إلا من كتب أهل الكتاب والله أعلم بعباده ولكن الثابت أنه تقهقر به الحال للحد الذي لم يبقى له حتى قوت يومه وفرغ الناس من حوله إلا من إثنين من أهله كانا يودانه ويترددان على زيارته حتى أن أحدهما قال لصاحبه لا يفعلن الله هذا بأيوب إلا أنه فعل ذنبا عظيما والا لم لمْ يرفع الله عنه ما هو فيه كل هذه المدة ؟!! وقد ظلت زوجته الصالحة الطيبة  عونا مقيما له فلزمت خدمته وعملت بالأجر لدى الناس لتقتات هي وزوجها بعد أن لفظه الجميع وتركوه بلا عمل أو مأوى .

وقد روي عنها رواية أنها لما ضاق بها الحال وإشتد الكرب كان الناس يرفضون عملها لديهم حتى أنها لما كانت تمتلك  شعرا طويلا وجميلا باعت خصلاته وأتت لسيدنا أيوب بطعام من ماله فلما عرف أيوب غضب منها ونهرها وأقسم أنه لو رد الله له عافيته ليضربها جلدا مائة جلدة وإستند هؤلاء لقول الله تعالى في سورة ص {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب* وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب} وقالوا إنما كان المقصود بالآية حادثة حلقها شعرها وبيعها خصلاته ولكن هذا لم يثبت بنص صريح وذهب العلماء أن امرأة أيوب كانت تعينه على كل شيء حتى أنها في مرة أعانته على قضاء حاجته وذهبت حتى ينتهي منها ولكنها تلكأت في العودة فأغضب ذلك أيوب عليه السلام فأقسم إن رد الله عليه صحته ليجلدها مائة جلدة .   

مرت السنون والأعوام وكلما مر الوقت زادت المعاناة وضاق الحال أكثر وأكثر فطلبت إمرأة أيوب من زوجها أن يدعوا الله أن يرفع عنه البلاء ويفتح عليهم أبواب الرزق وكان أيوب قد لبث في شدته ومرضه وفقده ثمانية عشر عاماَََََ كما رجح العلماء فقال لها أيوب كم لبثنا في الرخاء والنعمة قالت 80 عاما فقال لها إني أستحي من ربي أن أدعوه وما لبثت في الشقاء والبلاء سنوات قدر التي لبثتها في النعمة والرخاء ولكن مع زيادة نفور الناس وأذيتهم له ولزوجه ومع لفظ الناس لهم وعزلهم حتى أصبحا لا يملكان زادا ولا طعاما يطعماه وإشتداد المرض وخارت القوى دعا أيوب ربه كما ورد في سورة الأنبياء الآيتين 83و84 قوله تعالى {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وانت ارحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معه رحمة من عندنا وذكرى للعابدين } وقد كان ذلك كما ذكر المفسرون انه لما خرج أيوب لحاجة له وكانت زوجته تعينه ولكنها تركته حتى ينتهي وتلكأت في العودة له لسبب يعلمه الله فلم يستطع إعانة نفسه فأحزنه ذلك وهمه وتوجه لله في حياء يقول أني مسني الضر ولم يقل أصابني رغم كل ما كان يعانيه من مرض وفقد وفقر وقد ذكر ذلك مفسرون بأنه من تأدب أيوب مع الله وعدم جحوده لنعمته فاستجاب الله له وأمره أن يضرب برجله الأرض فانفجر منها ينبوعا باردا شرب واغتسل منه وذهب كل ما به من سوء كما جاء في سورة ص {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } ولما عادت إليه زوجته وجدت رجلا في كامل صحته وقوته وبهاءه فسألته ألم ترى رجلا صفته كذا وكذا والله إنك لأشبه الناس به حين كان في صحته وقوته فأخبرها انه هو أيوب وقد أنعم الله عليه بالشفاء جزاءا بصبره وشكره .

رد الله لأيوب صحته وماله وأهله وبنيه حتى قيل  أنه كان له صاعين أحدهما قمح والأخر شعير فأبدلهما الله له ذهباً وفضة وأعاد إليه أرضه وخدمه وأما عن قسمه فيما كان بينه وبين زوجته وجعله يقسم بأن يجلدها 100 جلدة  لو رد الله له عافيته وكره ان يفعل ذلك في زوجته بعد أن قدمت له العون والبر وصبرت عليه وقامت على خدمته  فقد أتم الله عليه نعمته بأن جعل له مخرجاً من هذا بأن أمره بأن يجمع مائة من فروع التمر التي ينمو على جوانبه البلح ويضعها مجتمعه ويضرب بها زوجته ضربة واحدة ليبر بقسمه ولا يحنث كما فسر بذلك المفسرون قوله تعالى {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب } سورة ص(44) ...فأتم الله نعمته وابدل همه فرحا وسرورا ..