قال الله تعالى:{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}سورة الأنبياء، وقال تعالى:{وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ}سورة الأنعام.

5wtXQEfbQ6OZplaGDnovO9BXNGTI1KxGnD6LODXo.jpeg

نسب زكريا عليه السلام

قيل: هو زكريا بن دان بن مسلم بن صدوق إلى أن يصل نسبه إلى سليمان بن داود الذي يتصل نسبه بـ يهوذا بن يعقوب، فهو من أنبياء بني إسرائيل، وقد ورد في الحديث الشريف أنه كان نجارًا، ويقال: زكريا بالقصر، ويقال: زكرياء بالمد.

في أي قوم بعث ؟

لقي زكريا عليه السلام من بني إسرائيل وحكامهم وناله من قومه الأذى الكثير، وتوالت عليه الأهوال العظام والشدائد الثقال فصبر عليه السلام الصبر الجميل حتى وهن العظم منه وضعف وخار واشتعل الشيب في رأسه. وقد كان زكريا قبل أن يكرمه الله بالرسالة ويختاره لإنقاذ بني إسرائيل من الشقاوة والضلال من كبار الصالحين الربانيين الذين لهم شركة في خدمة الهيكل، ثم نبأه الله تعالى وجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، وكان عمران والد مريم إمامهم وسيدهم.

يقول الله تبارك وتعالى إخبارًا عن نبيه زكريا: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [سورة مريم)

كفالة نبي الله زكريا لمريم بنت عمران 

كان نبي الله زكريا عليه السلام متزوجًا بإيشاع أخت مريم وهذا قول الجمهور، وقيل زوج خالتها إيشاع والله أعلم.

وكانت حنة زوجة عمران من الصالحات العابدات قد كبِرت وعجزت ولم تلد ولدًا، فبينما هي في ظل شجرة إذ أبصرت طائرًا يطعم فرخًا له، فاشتهت الولد ودعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، ونذرت إن رزقها الله تعالى ولدًا أن تجعله من سَدَنة بيت المقدس وخدمه، وحررت ما في بطنها ولم تكن تعلم ما هو، وكان النذر المحرر عندهم هو أن يجعل الولد لله يقوم بخدمة المسجد ولا يبرح منه حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ خيّر، فإن أحب أن يقيم فيه أقام وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء.

ثم مات عمران زوج حنة وهي حامل بمريم عليها السلام، فلما وضعت حملها إذا هو أنثى، يقول الله تعالى إخبارًا عن أم مريم حنة قالت: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ [سورة ءال عمران]، قيل: هذا من تمام اعتذارها، ومعناه لا تصلح الأنثى لما يصلح له الذكر من خدمته المسجد والإقامة فيه لما يلحق الأنثى من الحيض والنفاس.

وعندما ولدت”حنة”زوجة عمران مريم عليها السلام لفّتها في خرقة وحملتها وانطلقت بها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار العلماء أبناء هارون، وكانوا يلون من بيت المقدس ما يلي بنو شيبة من الكعبة المشرفة وقالت لهم: “دونكم هذه المنذورة” فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وسيدهم عمران الذي كان من علماء بني إسرائيل الصالحين وكانوا يقترعون على الذين يؤتون بهم إلى المسجد لخدمته، فقال زكريا عليه السلام وكان نبيهم يومئذ: أنا أحق بها لأن خالتها عندي، وذلك أن الخالة كما ورد في الحديث بمنزلة الأم، فأبوا وطلبوا الاقتراع عليها وقالوا: نطرحُ أقلامنا في النهر الجار قيل هو نهر الأردن فمن صعد قلمه فوق الماء فهو أحق بها، فذهبوا إلى ذلك النهر وألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فأخذها زكريا عليه السلام وكفلها وضمنها إلى خالتها “أم يحيى” واسترضع لها حتى كبرت ووضعها في غرفة في المسجد لا يرقى إليها إلا بسلم ولا يصعد إليها غيره، وكان يغلق عليها الباب ومعه المفتاح لا يأمن عليه أحدًا، وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله لتكون مع خالتها “أم يحيى”، وقد كان نبي الله زكريا عليه السلام يرى من عجائب قدرة الله تعالى من الكرامات في حفظ هذه السيدة الطاهرة العفيفة ما يبهر العقول، يقول الله سبحانه: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾[سورة ءال عمران]

وفاة نبي الله زكريا !

مات نبي الله زكريا عليه السلام قتلاً فقد قتله اليهود المجرمون، وقيل في سبب قتله: إنه لما شاع الخبر في بني إسرائيل أن مريم عليها السلام حامل اتهمها بعض الزنادقة بيوسف النجار الذي كان يتعبّد معها في المسجد، واتهمها ءاخرون بزكريا عليه السلام لذلك عزموا على قتله، فأمسكوا به ثم نشروه بالمنشار، وقتل عليه السلام ظلمًا بأيدي اليهود المجرمين ومات شهيدًا صلى الله عليه وسلم.

وقيل في سبب قتله قولٌ ءاخر وهو أنه لما قُتل ابنه نبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام بأمر الملك الظالم حاكم فلسطين “هيرودس”، أرسل هذا الملك في طلب أبيه زكريا عليه السلام فاستخفى عليه السلام منهم، فدخل بستانًا ومر بشجرة عند بيت المقدس فنادته الشجرة بمشيئة الله: هلُمَّ إليّ يا نبي الله، فلما أتاها عليه السلام انشقت بقدرة الله ومشيئته فدخلها فانطبقت عليه وبقي عليه السلام في وسطها، فأتى عدو الله إبليس اللعين فأخذ هُدْبَ رداء زكريا عليه السلام فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، ثم لقي القوم الذين خرجوا في طلب زكريا عليه السلام وكان متشكلًا لهم بصورة رجل فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نلتمس زكريا، فقال لهم: إنه سحَر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها، فقالوا له: لا نصدقك! قال لهم: فإنّ لي علامة تصدقونني بها، فأراهم طرف ردائه فأخذوا الفؤوس وقطعوا الشجرة وشقوها بالمنشار فقتل نبي الله زكريا فيها ومات شهيدًا، وقد سلط الله تبارك وتعالى عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم منهم، والله عزيز ذو انتقام.

وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى في القرءان الكريم عن إجرام اليهود وقتلهم الأنبياء قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّـهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [سورة البقرة].