في مارس من العام 2016 وأثناء المنافسة في سباق الرئاسة الأمريكية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون وعلى منصة AIPAC  أشهر منصات اللوبي اليهودي والتي يمر عليها كل من رغب في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وقف دونالد ترامب وقتها مصرحا وبحماس شديد "سننقل السفارة الأمريكية للقدس العاصمة الأبدية للشعب اليهودي" ؛ وبعد فوز ترامب بالرئاسة التزم بوعده وأعلن في السادس من ديسمبر 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ومن بعدها نقل السفارة الأمريكية لها ....

كان ممن لهم الفضل في فوز ترامب بالرئاسة بدعمه كواحد من أكبر ممولي حملة ترامب الرئاسية  الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون المستثمر في صالات القمار والكازينوهات وهو في نفس الوقت أبرز من ساهم في عودة الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للمشهد السياسي الإسرائيلي بالتمويل المالي لدرجة انه أصدر صحيفة إسرائيل حايوم للتوزيع دون مقابل متضمنة دعاية واضحة وأخرى مستترة لنتنياهو ....! هذا الرجل أديلسون وكثير من رجال الاقتصاد الأمريكي من اليهود كانوا في انتظار لسنوات كثيرة لرئيس امريكي يملك الجرأة ليوقع ذلك الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل الا أنهم لم يصادفوا ذلك فيمن سبقوا ترامب فقد كانت سياستهم المعلنة تدور في إطار من التوازن الظاهري في التصريحات رغم التحيز السافر خلف الكواليس لإسرائيل وقد وجدوا ضالتهم في ترامب .

لم يكن هدف أو طموح الداخل اليهودي الأمريكي هو مجرد الإعلان عن هوية القدس أو نقل السفارة الأمريكية للقدس كنوع من فرض الأمر الواقع ولكن الهدف الأكبر كان أعظم من ذلك  وما كان هذا إلا خطوة أولى لابد منها للتمهيد لما يعرف إعلاميا بصفقة القرن...!! 

من هنا نأتي لدور أخر لشخص أخر يعتبره الكثيرون  سمسار ومدير تلك الصفقة الا وهو جيرارد كوشنر زوج ايفانكا ترامب والذي عينه ترامب كبير مستشاري البيت الأبيض واوكل له عملية السلام في الشرق الأوسط والذي كان ظهوره الأول في قمة الرياض الشهيرة مع زعماء العرب المسماه بقمة الصفقات الكبرى والتي خرج منها ترامب منتفخ الجيوب ليس وحده وإنما إبنته ايفانكا  وزوج إبنته كوشنر  أيضا . 

بدأت رحلات كوشنر المعلنة والسرية للشرق الأوسط لأداء دوره المزعوم كمبعوث سلام في الشرق الأوسط ومن بين تلك الزيارات زيارته الأولى لإسرائيل والتي اصطحب فيها جيسون جرينبلاد محامي العقارات اليهودي ومستشاره في مشاريعه العقارية وقبل الزيارة بوقت قصير كان قد دخل لحساب احد هذه المشاريع العقارية ما قيمته 30 مليون دولار فيما اعتبرته بعض الصحف والمواقع كجزء من أجر مقدم مقابل العون في تمرير الصفقة ومن بين تلك المواقع كان موقع "ميدل إيست أي" البريطاني والذي أشار في تقرير مطول لمباحثات كوشنر وتصوراته مع العاهل السعودي بن سلمان ومتضمنا ارتياح محمد بن سلمان للصفقة لكونها ستمهد للسلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من ناحية وبين إسرائيل وجيرانها العرب من ناحية أخرى لتكون عونا في مواجهة التمدد الإيراني.. ! حتى بدت تصريحات المسؤولين السعوديين وكأنها تخطب ود رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ...!!

 

وهذا ما أكده يسرائيل كاتز وزير الاستخبارات والاتصالات الإسرائيلي من أن التنسيق العربي الإسرائيلي ممتد  حتى أن ترامب نسق مع قادة بعض الدول العربية قبل توقيع إعلان القدس عاصمة لإسرائيل وإجراءات نقل السفارة الأمريكية لها، وذكر أن السعودية مثلا تأخذ في اعتبارها المصالح الأمنية المشتركة مع إسرائيل خاصة مع زيادة التمدد والهيمنة الإيرانية .! 

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أن تفاصيل صفقة القرن لن تعلن الا بعد شهر رمضان المبارك لهذا العام فإن الاجتهاد الصحفي حول العالم لم يهدأ وتكهنت كل المواقع والصحف وحتى الخبراء بما يمكن أن تحمله هذه الصفقة بناء على شواهد أو تسريبات أو تحليلات، فكان أبرزها ما نشرته صحيفة كويتية منذ أكثر من سنة هي صحيفة القبس وبناء على مصدر سعودي رفيع المستوى  أن من أهم ما ستتضمن الصفقة هو 

  1. التجاهل والتخلي عن فكرة حل الدولتين  بما يعني أنه لن يكون هناك  دولة أخرى بين نهر الأردن والبحر المتوسط . 
  2. قيام إقليم ككيان فلسطيني بحدود مؤقتة على قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية مع سيطرة كاملة لإسرائيل عليه 

ليكون ذلك امتدادا لما ذكره الجنرال ايجورا ايلاند رئيس مجلس الأمن القومي السابق  لإسرائيل في العام 2004 حيث قال إن على الفلسطينيين نسيان حدود 67 فلا عودة لحدود ما قبل 67 ولكن قد يضم لأرض فلسطين أجزاء من الضفة الغربية للأردن في إجراء كونفيدرالي مع بقاء الإدارة الأمنية والسياسية للأردن في الوقت الذي يكون فيه كيان اسمه غزة الكبرى بتخلي مصر عن 600 كم2 من حدودها الشمالية الشرقية من سيناء مقابل أن تعطي إسرائيل مصر 200 كم2 من صحراء النقب يكون ممرا يربط البحر الأحمر بالمتوسط..وهو ما يتوافق جزئيا مع تقارير صحفية سابقة أكدت أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عرض على الإسرائيليين مساحة 1600 كم2 من سيناء ملاصقة لقطاع غزة فيما نفت القيادة الفلسطينية ذلك العرض. 

لنعود لنفس النقطة مع تسريبات لمكالمات هاتفية من ضابط مخابرات مصري اسمه أشرف الخولي يوجه الاعلامين الموالين لانظمة الحكم في مصر بالتمهيد للناس بأهمية إخلاء القبائل في سيناء مما فسره البعض كتمهيد للقبول بالصفقة وهو ما فسره السيسي بتصريح أثناء زيارته لأمريكا قبل عامين موجها كلاما للرئيس ترامب وهو مطأطأ العينين  ما نصه "للمرة الثانية يا فخامة الرئيس ستجدني وبقوة أيضا داعم وبشدة كل الجهود اللي هتبذل لإيجاد حل في صفقة القرن اللي انا متأكد ان فخامة الرئيس هيستطيع انه ينجزها“. 

في حين أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن صرح بأنه يقول لترامب وغير ترامب لن نقبل مشروعك وقلنا له صفقة القرن هي صفعة القرن.. ليأتي إسماعيل هنية مؤكدا وساخرا لا يوجد شيء اسمه صفقة قرن ولا نصف قرن ولا ربع قرن . 

ونحن في الانتظار ..