العنف ضد النساء

يشكل العنف الزوجي الممارس ضد النساء ظاهرة اجتماعية تمس مختلف بنيات المجتمع، فهي لا تقتصر على مجتمع معين أو ثقافة معينة، وإنما تعرف هذه الظاهرة انتشارا في مختلف الأوساط ، وتشمل كل الفئات الاجتماعية بمختلف مستوياتها الثقافية والاجتماعية  والعمرية.. 

ويمثل العنف الزوجي كتجربة معاشة ، من أصعب التجارب التي يمكن أن يعيشها الفرد ، لما لها من آثار وانعكاسات سلبية على نفسية الزوجة والأبناء ، ولما تحمله هذه التجربة من معاناة أليمة تبقى مترسخة في ذاكرة الإنسان في مختلف مراحل عمره.

أسباب العنف الزوجي ودوافعه

الأسباب الثقافية التي تؤدي إلى العنف

 1. التنشئة الإجتماعية السلبية

  يتلقى الفرد التنشئة الإجتماعية من خلال المحيط الذي يعيش فيه ، بحيث يكتسب ثقافة ذلك المجتمع ،ويحمل الفرد من خلال عملية التنشئة الإجتماعية، لغة مُحيطهِ، و قِيمه ومعاييره ومختلف أساليب حياة الجماعة التي ينشأ فيها، بحيث يتلقى الفرد هذه التنشئة سواء كانت سيئة أو سليمة. 

فعملية التنشئة السلبية التي يتلقاها الفرد داخل أسرته، تترك في نفسيته آثارا عميقة يحملها معه طوال حياته، ويعتبر علماء النفس أن مرحلة الطفولة هي أهم مرحلة في حياة الإنسان، فإذا عاش الطفل في مراحل نموه الأولى عنفا أسريا كأن يعنف الأب أمه أمامه، فإن هذا الجو المشحون وغير السليم،  سيؤثر بالضرورة على نفسية هذا الطفل مستقبلا، و لا ريب في ذلك أن هذه التنشئة التي لم تحقق لهذا الطفل استقرارا نفسيا،  سينتج عنها شخص عدواني سيعيد تكرار نفس أسلوب الحياة التي عاشها مع أسرته،  وبالتالي فإن العنف لن يتنج إلا العنف.

2. التغير الإجتماعي يساعد على العنف

أصبحت عملية التغير الإجتماعي في عصرنا الحالي ذات وثيرة سريعة، نتيجة للتقدم التيكنولوجي الذي ساهم في الانفتاح على العالم وعلى مختلف الثقافات، بحيث أضحى العالم قرية صغيرة ، وهذا ما ساهم في سرعة انتقال المعلومات سرعة البرق في بقاع العالم، بحيث أزيل الستار و كشف العالم عن كل ما يدور فيه.

وتكون لعملية التغير الإجتماعي انعكاسات سلبية أو ايجابية على الفرد، هذا يرجع إلى نوع الثقافة التي ينفتح عليها ، ونوع القيم والمعايير التي يتبناها ويكتسبها. 

وتعتبر عملية التغير الإجتماعي من أخطر العوامل التي يمكن أن تهدد أمن الأسرة و استقرارها، بفعل انتشار العنف في العالم وكثرة ممارسته ، ولاشك أن لذلك وقع كبير على شخصية الفرد بحيث يمكن أن يستمد هذا العنف من مظاهر متعددة، وأكثرها خطورة وسائل الإعلام.

3. الثقافة الذكورية تولد العنف

تبين العديد من البحوث المهتمة بقضايا العنف الزوجي، أنه في أغلب الأحيان يكون الزوج هو المسؤول عن هذا العنف، ولم تسجل سوى حالات قليلة بالنسبة للزوجة التي تمارس العنف على الزوج، ونتيجة لهذا الإجماع ،كان لابد من الوقوف عند مسألة الثقافة الذكورية ، لمعرفة ما إذا كان تكريس تلك الثقافة يعد سببا في انتاجها من جيل لآخر.

وقد كشفت الكثير من الأبحاث عن أن الثقافة الذكورية تعتبر من بين العوامل المؤدية للعنف الأسري، فتمييز بعض الأباء أبنائهم الذكور عن بناتهم، وإعطائهم للذكور كامل الرعاية و الإهتمام و الأولوية دون الإناث ،ينمي لدى الذكور صفة التسلط والتعصب والسيطرة والعنف.

4. انعدام المساواة بين الرجل والمرأة

إن مسألة المساواة بين الجنسين، تشكل موضوع نقاش عبر التاريخ، نظرا لما تتميز به علاقة الرجل والمرأة من جدال وصراع وانعدام التوازن فيما يخص تحديد ادوارهما داخل المجتمع.

ان ما يكرس طغيان شخصية الرجل وتسلطه على المرأة، هو تعود بعض المجتمعات على تدني صورة المرأة بحيث تبقى دائما تابعة للرجل ، و خصوصا في الأرياف التي توضح بصورة جلية مدى تحمل المرأة للأعمال الزراعية حيث تفوق الرجل في قيامها بذلك، وهذا ما يعطي الرجل كامل الحق في ممارسته للعنف على المرأة، لأن في اعتقاده أن مايقوم به شيئ طبيعي جاري العمل به.

5. الزواج المدبر أو التقليدي

يعتبر الزواج المدبر من العادات المتجذرة والعميقة في بعض المجتمعات العربية ، بحيث يقوم الآباء بتنظيم عملية الزواج بين أبنائهم وفق إرادتهم، دون تدخل الأفراد المعنيين في ذلك.

ولقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لما في ذلك من ضرر على الطرفين، فمن حق الطرفين الموافقة أو رفض الزواج حسب إرادتهما الخاصة، إلا أن هذه العادات كانت تكرس للعنف الزوجي ، نتيجة لعدم أخذ رأي الزوجة خصوصا في هذا الموضوع،فعدم رغبة الزوجة في ذلك الزواج، يمكن أن يثير نوع من النفور الشيء الذي يتسبب في مشاكل تكون آثارها وخيمة.

6. الزواج المبكر

تشير الكثير من الدراسات،  أن ظاهرة الزواج المبكر أصبحت متفشية بشكل مهول في المجتمعات العربية، وتعتبر من أهم الأسباب وراء العنف الزوجي ، وذلك راجع إلى انعدام الوعي والجهل والتخلف لدى بعض الأسر، فهذا النوع من الزواج يحرم الفتاة من حقها في التعلم وتشبعها  بالجانب العاطفي من  طرف والديها ، لذلك تكون غير قادرة على الإلتزام بمسؤوليات الحياة الزوجية وأعبائها من جهة،وعدم درايتها لطبيعة الحياة الزوجية من جهة أخرى، وهذا ما يدفع بهن إلى التعنيف من طرف أزواجهن لسبب أو لآخر.

المكونات الشخصية المحفزة على العنف

1. الجهل

  • عدم الوعي بالحقوق والواجبات .
  • غياب عملية التواصل .
  • عدم فهم الواقع الإجتماعي بشكل واضح.
  • اعتبار أن العنف هو السبيل لحل المشاكل الأسرة.
  • الجهل في فهم طبيعة الحياة الزوجية. 

2. الفساد 

غالبا ما تكشف الدراسات عن العنف الزوجي، تعاطي الزوج للخمور والمخدرات ، بحيث يفقد السيطرة عن أعصابه، ويبدأ في تعنيف زوجته بدون سبب، هذا إلى جانب ضعف الوازع الديني الذي يجعله غير واع بالسلوك الذي يقوم به ، وغياب تام لتأنيب الضمير. 

3. الغيرة الزوجية

تعتبر الغيرة الزوجية المفرطة و المبالغ فيها ، مرضا نفسيا يتطلب تدخل الطبيب المختص، بيحث لا يستطيع المريض التحكم في مشاعره ، مما ينتج عنه العنف ، وتسمى هذه الغيرة بالفاسدة ، لما لها من انعكاسات سلبية على نفسية الزوجة ، وعلى مسيرة الحياة الزوجية بأكملها، فانعدام الثقة والشك هما سببا هذه الآفة التي تحطم العلاقة الزوجية .

4. العوامل الممهدة للعنف

-العوامل النفسية:

تثبت العديد من الأبحاث، أن العدوانية أسلوب متأصل في طبع الرجال، ويرجع ذلك إلى أسباب فيزيولوجية ، فالهرمونات الذكورية التي تسمى بالتستسترون هي المسؤولة عن ميل الذكور إلى العنف ، فهناك ارتباط واضح بين ارتفاع نسبة هذا الهرمون و بين رغبتهم في ممارسة العنف.

-العوامل الإقتصادية:

يرى علماء الإجتماع ، أن الفوارق الإقتصادية بين الزوجين وبالضبط انخفاض الدخل المادي للزوج مقارنة مع زوجته لهو من أهم الأسباب التي تؤجج الصراع و العنف داخل الأسرة، بحيث تتزعزع مكانة الزوج في نظر زوجته مما يسبب في العديد من المشاكل، هذا إلى جانب كون أن تدني دخل الأسرة و فقرها يساهم بشكل كبير في إنتاج العنف نظرا لعدم قدرة الزوج تلبية احتياجات الأسرة .

-العوامل الإجتماعية:

ترتبط هذه العوامل بعدم وجود قوانين رادعة للعنف الزوجي بشكل واضح، ويرجع ذلك إلى السياق التاريخي للعنف، بحيث أصبح العنف سلوكا مورثا،  نتيجة لارتباط مفهوم الرجولة بالعنف في الكثير من المجتعات إلى اليوم، بحيث تعتبر أن ممارسة الرجل للعنف على زوجته من شيم الرجولة و القوامة و الحكمة، فاعتبار أن ذلك من عادات و تقاليد المجتمع هو كفيل بإنتاج العنف من جيل إلى آخر.

نتائج العنف الأسري و آثاره:

-آثار جسدية:

يسبب العنف الزوجي غالبا في إقدام الزوج على ضرب زوجته و تعنيفها ، ويؤثر ذلك بشكل مباشر على صحتها ، و يمكن أن يتسبب في مشاكل صحية أو حتى عاهات و تشوهات على المستوى البدني. 

-آثار نفسية:

من أخطر آثار و انعكاسات العنف الزوجي ، هو تأثيره على الحياة النفسية للمرأة المعنفة، بحيث تصرح العديد من النساء ضحايا العنف ، أن العنف النفسي له وقع كبير بالمقارنة مع العنف الجسدي، فيمكن في بعض الحالات أن يتسبب في انهيار عصبي يؤدي إلى الشلل  أو في محاولة الانتحار.

-الطلاق:

غالبا ما ينتهي العنف الزوجي بالطلاق ، كحل لانهاء مسلسل العنف الذي لا ينتهي، لكن الطلاق و على الرغم من كونه حلا ، إلا أنه يسبب للزوجة معاناة أخرى لا تقل أهمية عن المعاناة السابقة، فالطلاق في نظر غالبية النساء، يعتبر بداية معاناة جديدة تستشعرها الزوجة، لذلك فنظرة المجتمع للمرأة المطلقة كفيل بأن يجعل المرأة خاضعة للزوج متحملة لكل أشكال العنف خوفا من المجتمع و نظرته القدحية للمرأة المطلقة.

فهذا الشعور يسبب لها الإحراج الشديد والإحباط والتذمر لروحها المعنوية، كما يسبب لها الإحساس بالقلق والخوف من المستقبل.

-الوضعية المالية الصعبة للمرأة المطلقة:

تبين الكثير من الأبحاث أن المرأة المطلقة في المجتمعات العربية ، تعتبر أن الطلاق سيضع حدا للعنف الممارس عليها، إلا أن وضعيتها بعد الطلاق تسوء أكثر هذا في حالة إذا ما لم يكن للمرأة دخل مادي مستقل، فالمرأة إذا كانت تابعة للزوج اقتصاديا غالبا ما تبقى خاضعة لسلطة الزوج رغم عدوانيته و تسلطه، خاصة وإن كان لديها أبناء، لذلك فإن المرأة بعد الطلاق تجد نفسها في مأزق حقيقي نتيجة لاحتقار المجتمع لها،  حيث أنه ليس بامكانها الاندماج في سوق الشغل بسهولة، غالبا ما تجد صعوبات في ذلك ،بسبب نظرة  المجتمع الدونية لها.