خيال مسجد عظيم 

لا شك في تمام كمال جميع رسل وأنبياء الله عز وجل وهذا الكمال هو قمة الكمال البشري وإلا لما كان إصطفاهم رب العزة وإستأمنهم على رسالاته فهم أطهر الخلق وأشرفهم وقد قال تعالى {الله أعلم حيث يجعل رسالته} .

ولا شك أيضاً في أن الكمال درجات وقد جعل الله كمال رسله يفوق بعضه وجعلهم أكمل من بعض وأفضل من بعض وقد قال جل شأنه في سورة الإسراء الآية 55  {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ،وكذلك في سورة البقرة الآية 253{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}. 

ومما خاطب الله فيه أنبياء ما خاطب به سيدنا زكريا وهو قائم يصلي في المحراب بعد  أن تمنى على الله ورجاه ان يرزقه ولياً يرثه ويرث عهده بعد أن  بلغ به الشيب مبلغه وأصاب زوجته العقم أنه أرسل له ملائكته يبشرونه {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحي مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصوراً ونبياً من الصالحين } آل عمران 39  وقد ذكر السعدي عليه رحمة الله أن حصوراً تعني الذي لن يكون له ولد وقال من لا يأتي النساء وقيل من ليس له ذنب ومن ليس له شهوة ضارة وهذا المعنى هو الأيقن والأليق. 

وقد قال تعالى في سورة مريم (12-15) {يا يحيا خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا *وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقياً* وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً*وسلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً} وهنا فإن كلمة "سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً" وردت في نبيين هما عيسى  عليه السلام حين قال تعالى على لسان عيسى {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } ويحيا عليه السلام كما أسلفنا ولكن الفارق أن سلام يحيا كان من الله أما سلام عيسى فكان من نفسه وقد ذكر المفسرون ان "زكاة" هنا تعنى ان الله نقاه وطهره من أن يفعل معصية او ذنب كما قال بن جرير .

وقد روى الإمام أحمد عن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من أحد  من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ،ليس يحي بن زكريا "، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في "مختصر تاريخ دمشق" (8/195) "لم نعلم أحداً أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحي بن زكريا عليهما السلام  "

لنخلص إلى أن يحيٰ عليه السلام الذي أثني الله عليه في كتابه وطهره حتى أنه عاش دون أن يعصي الله طرفة عين وهو أمر قد لا نستوعبه من فرط نقاءه من وجود أحد من بني آدم لم تحدثه نفسه بسوء طيلة حياته  عليه وعلى  نبينا أفضل الصلاة والتسليم .