بداية وقبل أي شيء فهناك خطأ ما في العنوان، ولكنك قد تلمس التصحيح بين السطور القادمة فأنا أحدثك عن أغلى المواد في الكون فالذهب والألماس يعتبرهما الكثيرون أعلى المواد قيمة بحكم الإستفادة الواضحة والمباشرة منهما وبحكم شهرتيهما  وهما كذلك بالفعل ولكن هناك ماهو أعز وأنفس..! فلو تطرقنا للذهب مثلا فالجرام منه يساوي 55 دولارا تقريباَ في حين نجد الروديوم وهو عنصر يستخدم في صناعة المجوهرات أيضاً فجرامه قيمته 58 دولار وهناك الهيروين وهو المخدر الشهير والذي أنتجته شركة باير Bayer كعلاج للسل بعد أن طوره الصيدلاني او الكيميائي  الألماني هنريك دريسار  عام 1898 وسعره 130 دولار للجرام والأغلى منه الكوكايين وجرامه 215 دولار، لنمر إلى البلاتينيوم  الذي يستخدم في صناعة محركات الطائرات نظراً لصلابته وتحمله درجات الحرارة العالية والجرام فيه ب 60 دولار لنعود للعقارات مع عقار LSD أو عقار الهلوسة والذي أكتشف صدفة على يد العالم ألبرت هوفمان عام 1943 وهو يجرى إحدى التجارب بعد أن تسلل إليه وثمّله  لساعتين  فقيمة الجرام فيه 3000 دولار، أما قرن وحيد القرن فله حضور بين النفائس وهو يستخدم كمقبض للخناجر باهظة التكلفة فالجرام منه يساوي 110 دولار لنصل للألماس والذي تقاس جودته ونقاءه بحجم إنعكاسات الضوء فيه وتصل قيمة القيراط منه 55000 دولار وهو يمهد لعنصر الكاليفورنيوم ثاني أغلي عنصر في العالم وقيمة الجرام فيه 27 مليون دولار  وهو عنصر مشع وسام جداً وفي النهاية نأتي للأغلي في العالم وهو مضاد المادة antimatter وهنا سنجد أن  الجرام الواحد منه يكلف إنتاجه 62500000000000 دولار (62.5 تريليون دولار )!!!!

 لعلك هنا أدركت أننا نتحدث عن مضاد المادة والمعنى واضح فبما أنها مضاد المادة فهي ليست مادة ولكننا مجازاً أطلقنا في العنوان عليها مصطلح مادة للتبسيط ولكن كيف يكون لدينا شيء ولكنه ليس مادة؟!! 

الحقيقة أن كل ماحولنا هو عبارة عن مادة.. أي شكل تراه حديد، ملح، سكر، هواء، حيوان ، نبات، جوال حتى أنا وأنت لسنا إلا مادة أو مواد مركبة  تتكون من مجموعة ذرات متحدة  وكان المعتقد قديماً أن الذرة هي أصغر ما يمكن تصوره والوصول إليه ولكن اتضح أن هناك ما هو أصغر منها وهو ما يسمى النواة وهو مركز تلك الذرة وهي تتكون من بروتونات موجبة الشحنة ونيوترونات متعادلة الشحنة ويدور حول تلك النواة سحابة منتظمة تدور فيها الإليكترونات السالبة الشحنة في إتجاه عقارب الساعة... !!! 

في عام 1928 فاجأ العالم البريطاني بول ديراك المحيط العلمي بقوله أن هناك شيء آخر غير المادة لا يمكن ان نطلق عليه مادة لأنه يشبه المادة في تركيبه ولكنه مختلف عنها في بعض خواصه، الرجل أطلق خاطرته وتنبؤه ولكنه على ما يبدو لم يستطع إثباتها بشكل عملي فلم يلتفت له أحد فما يقوله لم يكن ليعتبر إلا كطُرفة فكل ما نراه أو نحسه لم يكن سوى مادة فكيف تقنعني بشيء لم أراه أو أرى أثره  بل ولم تراه أنت أيضاً..!! ظلت فرضية بول غير مقنعة إلى أن أكدها العالم الأمريكي كارل ديفيد أندرسون بعدها بأربع سنوات فماذا فعل أندرسون؟

في عام 1932 إستخدم أندرسون غرفة ويلسون السحابية أو غرفة السحابة cloud chamber وهي غرفة أو جهاز أستخدم من قبل لدراسة شحنات مكونات الذرة وسرعتها وكتلتها ودراسة أشعة ألفا وبيتا ومسارها ولكنه تنبه لشيء  غير معتاد، فقد لاحظ حركة مختلفة داخل السحابة وهي حركة لجسيم يشبه الإليكترون ولكنه يتحرك عكسه وبشحنة مختلفة عنه  فالمعتاد أن حركة الإليكترون وهو سالب الشحنة حول الذرة تكون مع إتجاه عقارب الساعة ولكن هذا الجسيم يتحرك عكس إتجاه عقارب الساعة وموجب الشحنة..

فمن هو ذلك الغريب الذي يسكن الغرفة؟؟ ،،،،،وماذايعني وجوده ؟!!

لم يكن لهذا معنى سوى أن كلام بول ديراك كان صحيحاً فمعنى وجود هذه الحركة وهذا الجسم الذي سماه بإسم بوزيترون Positron أو Positive Electron والذي وجد أنه يدور حول نواة أخرى تحمل شحنة سالبة  لأن البروتون بها يحمل شحنة سالبة بعكس النواة العادية والتي تحمل شحنة موجبة  وسماه انتي بروتون H-) Antiproton)   أن هناك خلق آخر غير المادة المعروفة يخالفها في الحركة والشحنة هو مضاد المادة ANTIMATTER وقد نال بول ديراك جائزة نوبل عن صدق توقعه في  عام 1933 ومن بعده نال كارل أندرسون بإكتشافه هذا نوبل مناصفة مع عالم فيزياء  نمساوي هو فيكتور هس عام 1936 

ماذا لو تقابلت المادة مع المادة المضادة ؟؟

مبدئيا لو فرضنا أن لدينا كمية من الماء وقبس من النار وإفترضنا أن لهما نفس القوة والسرعة  والكتلة ومتساويان في كل شيء ماذا تتوقع لو تلاقى الإثنان وجهاً لوجه  من سيهزم الآخر هل ستبخر النار الماء أم سيطفئ الماء النار؟؟؟

نظرياً في حال كانت  المياة والنار لهما نفس القوة تماماً فإن أخر قطيرة من الماء ستتبخر مع إنطفاء أخر قبيس من النار معنى هذا أن القوتين ستتلاشيان تماماً ولن يبقى إلا الطاقة الناشئة من لقاءهما وتفاعلهما وإن كان المثال للتقريب فإن واقع لقاء مادة مع مضادتها هو واقع صعب للغاية في نتائجه وهذا ما سنوضحه..

العلماء يقولون أنه حين حدث وتشكل الكون ووقع ما يشيرون له بالإنفجار العظيم The big bang  فإنه كان من المفترض أن ينتج عن هذا تكون المادة(الكون) والمادة المضادة(كون موازي) ، ولكن ما عرفنا بوجوده هو تكون  المادة ولكن مضاد المادة لم نلحظه وهو مجهول لنا...وتفسيري الشخصي للأمر هو أنه ليس هناك ما يؤكد كيفية حدوث الإنفجار العظيم وعلى الارجح أنه وبقول العلماء بوجود كون من المادة وكون مواز له من اللامادة ومع النتيجة الحاضرة بعدم القدرة على الحفاظ على المادة المضادة لعدم ثباتها الكيميائي بعد وقت معين فإن هذه المادة المضادة تلاشت كما تتلاشى من المعامل المصنعة لها وذلك لأن وقوع اعظم إنفجار في تاريخ الكون بالتأكيد قد فصل المادة عن مضاد المادة وبفعل قوة الانفجار تباعدا بمسافة عظيمة ولحين حدوث أي تلاقي آخر كانت المادة المضادة المتكونة وقتها تلاشت لبعد المسافة وطول الزمن.. 

... في عام 2009 تم ملاحظة إنفجار لأشعة جاما في الفضاء في أبعد المجرات بكوكبة الأسد   استمر لمدة 10 ثواني..…، ومن الطول الموجي ودراسة الطيف المرئي  منه فقد عرف أنه إنفجار  لأبعد نجم سماوي وهو نجم أكبر بمائتي مرة من الشمس  وربما هو أقدم نجم في الكون وذلك عن طريق المسبار الفضائي سويفت ويقول العلماء أن الإنفجار الذي تم تسجيله في 23 ابريل 2009 وقع منذ 13 مليار سنة، ووقتها كان الكون ما زال يحبو فقد كان عمر الكون وقت الإنفجار هو 630 مليون سنة وهو ما يمثل 4%فقط من عمر الكون الحالي ويشير العلماء أن هذا الإنفجار وقع نتيجة تصادم المادة والمادة المضادة وما حدث نتيجة لهذا الصدام كان تلاشي النجم كاملاً مع ما صدمه ولم يبقى إلا الطاقة الناتجة والأشعة وهو ما سيحدث لو تقابلت المادة والمادة المضادة سيحدث إنفجار عظيم وستلاشي كلا منهما الأخرى ولعل من رحمة ربنا بنا أن هذا لم يحدث في واقعنا الأرضي.. 

إذن أين هي المادة المضادة وهل هي مفيدة أو خطيرة ؟

مما ذكرناه فإنه لا أثر للمادة المضادة في الكون ولكنها تتواجد فقط معملياً وأهميتها جاءت من الآتي :

من قانون الطاقة الشهير في نسبية آينشتاين الخاصة  E=MC²  وهو يعنى أن الطاقة الناتجة تساوي حاصل ضرب الكتلة في مربع سرعة الضوء وهو²(299792458)م/ث وبذلك فإن ما سينتج هو طاقة جبارة من الكيلوجولات ،  ولك أن تعلم أنه لو تم خلط  10 جرامات من المادة ومعها 10 جرامات فقط  من المادة المضادة فإن الطاقة التي ستنتج ستكون أكبر من الطاقة الناتجة من إنفجار القنبلة النووية على اليابان  بعشر مرات هل تعي ذلك؟ 20 جرام فقط تولد كل هذه الطاقة.. وهنا قد يأتي شخص ويسأل "طيب دي حاجة كويسة ولا وحشة؟!!"

الحقيقة إن الأمر في حدود الطاقة الناتجة فهو شيء مبهر وخيالي فبتوفير طاقة مثل تلك ستنتهي كل مشاكل الطاقة في الكون ليس فقط بتوفرها ولكن بنظافتها وخلوها من الشوائب والإشعاعات وثاني أكسيد الكربون وغيره فهي طاقة نظيفة تماما وبنسبة 100% ولن تسبب نفس المشاكل الصحية والتلوث البيئي الناتج من الطاقة الحالية ولكن الأزمة تكمن في شيئين :

الأول : هو أن المادة المضادة اذا إلتقت بالمادة سيحدث بالتأكيد إنفجار فمعنى أن أنتج المادة المضادة وأقوم بتخزينها في تانك من أي مادة فإنها ستنفجر بمجرد التلامس بين المادة المضادة مع جسم  التانك وقد وجد العلماء وسيلة لحفظها عن طريق آلية معينة تجعل البوزيترون يتحرك حركة من خلالها لا يتلامس مع السطح الحاوي له ولكن عدم ثبات المادة المضادة يجعلها تتلاشى ثانية بعد زمن قصير !! 

الثاني هو التكلفة فإنتاج 1 جرام فقط من المادة المضادة سيكلف 62 تريليون دولار يمكنك أن تستوعب الرقم لو علمت أنه ضعف ميزانية الولايات المتحدة لعام 2020 بمقدار 13 مرة بمعنى إن أمريكا في الوقت الحالي لو فكرت في إنتاج جرام واحد ستعيش 13 عاماً على الإعانات في خيم الإيواء !!! وهذا نظراً للتقنيات الباهظة والآليات الفائقة التكلفة، وهنا يمكن أن يبادرني أحد بسؤال يثير الدهشة وهو " ولما الموضوع مكلف كدة أومال أخينا كارل أندرسون حضره في الغرفة السحابية إزاي وشافه إزاي من أكتر من 85 سنة  ؟؟!!! وهنا سيفقد السؤال دهشته لو تنبهت لشيئين وهما أن الفيزيائي أندرسون لم يخترع مادة مضادة بل إكتشف وجودها فقط بتتبع أثر ومسار جسيم تختلف حركته عن الإلكترون وهو يتلاشى تلقائيا بعد وقت قصير وأما الآخر فهو أنه لم يكن بحوزته ولم يلحظ سوى بوزيترونات وهي تحمل وزن أقرب للاشيء منها لكونها وزن يعتبر به.  

هل التكلفة العالية منعت إنتاج المادة المضادة؟ 

لا تستغرب لو أخبرتك أنه تم إكتشاف أن الموز يطلق مادة مضادة كل 75 دقيقة تقريباً فهو يطلق بوزيترون كل 75 دقيقة ويحدث به 23 تحللاً في الثانية الواحدة وهو ما يعزو له نقاط السواد في قشرته فهل سيكون للموز دور في تخليق المادة المضادة ولو بالإيحاء الفكري..؟!!

وبالرغم من كون التكلفة العالية تقف كسد منيع يحول من تطوير إنتاج المادة المضادة إلا أنه بالفعل يتم إنتاج أجزاء من الجزء من الملليجرام منها للإستفادة بها في الأبحاث الفيزيائية  والفلكية فبوجودها ممكن إرسال صاروخ فضائي لأبعد حدود الكون بحاوية صغيرة من المادة المضادة  أو يتم تصنيع الصاروخ نفسه من منها ,وهي تستخدم أيضا في بعض الأشعات الطبية وفي علاج بعض أنواع السرطانات والكشف عنها وذلك عن طريق مصادم الهادرونات الكبير وبواسطة مسرعات الجسيمات الذي تتولاه منظمة CERN الأوروبية للأبحاث النووية   ولكن طبعاً على نطاق ضيق جيداً وهو ما يضع العالم أمام تحدي صعب للقضاء على مشكلة الطاقة المستنفذة تدريجياً بتطوير آلية لإنتاج مثل تلك المادة بتكلفة بسيطة تمكن من تخليق طاقة تكفى لمئات الأجيال ولكن كل ذلك مع وجود المخاوف من قدرة دولة على تطوير ذلك وإستغلاله بشكل سيء يشبه إستخدام القنابل النووية وإن كان الوضع هنا سيكون أكثر فتكاً بشكل لا يمكن تصوره  خصوصاً لو خرج الوضع نفسه عن السيطرة بدون قصد لأن ذلك سيتسبب في تدمير كل صور الحياة في العالم ...!!