في عام 1955م وفي ولاية الاباما الأمريكية  انتظرت روزا باركس الحافلة.. الحافلة التي ستقلها للذهاب لعملها صعدت لتدفع الأجرة من الباب الأمامي ثم نزلت من الحافلة لتعود للركوب من الباب الخلفي واختارت احد المقاعد الشاغرة للجلوس.. جلست لمحطتين أو ثلاثة توقفت الحافلة ليركب أربعة ركاب جدد رغم أن الحافلة كانت قد امتلأت ،كانوا اربعتهم من البيض و فوجئت بالسائق جيمس بليكس يطلب منها وبإشارة تعني هيا أتركي مقعدك  وأشار بذلك أيضا  لثلاثة  أشخاص آخرين  يجاورونها في المقاعد لترك مقاعدهم كذلك والوقوف ليتثنى للأربعة البيض الجلوس..! انصاع الثلاثة الآخرين اما روز باركس فرفضت وبإصرار شديد حتى لما هدد السائق باستدعاء الشرطة لم تأبه له وقالت يمكنك فعل ذلك ..!! وبالفعل استدعى السائق الشرطة وجاءت الشرطة لتقبض عليها... 

قبل ذلك وفي عام 1900 بالولايات المتحدة الأمريكية أقر قانون الناقلات  للفصل بين الركاب السود والبيض وذلك في ولايات الجنوب الأمريكي  يلزم أصحاب البشرة السوداء بالجلوس في مقاعد مغايرة لتلك المخصصة للبيض في كل الحافلات وكانت دائما الأربعة صفوف الأولى مخصصة للبيض أما الركاب السود والذين كانت نسبتهم تزيد على 75% فيجلسون في المقاعد الخلفية بنهاية الحافلة وكان لزاما على السود  حين استقلال الحافلة ان يقوموا بالصعود من الباب الأمامي فقط لإعطاء الأجرة للسائق ثم يعودون للنزول والركوب مرة أخرى ولكن من الباب الخلفي حتى لا يمروا من أمام الركاب البيض وكان العرف وقتها أن المقاعد بمنتصف الناقلات والحافلات يمكن استقلالها من قبل السود  ولكن في حالة لم يجد شخص ابيض مقعد يتم إخلاء المقعد من الراكب الأسود ليقف أو ينزل من الحافلة...!! 

تخيل أن تعيش في بلدك وتدفع ضرائبك وتذهب لتؤدي عملك وتدفع مصاريف تعليم ابنك أو بنتك كما يدفع الجميع وتفاجأ بأن راتبك الذي تتقاصاه ليس مثل ما يتقاضاه مواطن آخر يعمل بنفس عملك ومن الجائز جدا أن يكون أقل كفاءة ولكن لونه الأبيض منحه راتب أعلى.. وإذا أراد طفلك الذهاب للمدرسة فإن عليه الذهاب سيرا على الأقدام فحافلات المدارس لا تقبل أن يركب ابنك الأسود فيها.. بل لك أن تتخيل انك إن أردت الذهاب للصلاة والتعبد فللسود كنائس خاصة بهم ولا يجرؤ أحدهم على دخول كنيسة مخصصة للبيض.. شعور قاس عليك وعلى أطفالك الذين لا يفهمون لماذا لا يستطيعون الذهاب للمدرسة بالحافلة وكلما مرت عليهم حافلة المدرسة يكون من بين أحلامهم المحرمة استقلالها ولو مرة...!!! 

تقول روزا باركس مشاهد مثل هذه التي تفرق بين البيض والسود كانت تؤلمني ..، وحين كنت طفلة اتساءل ما الذي يجعل شيء لا دخل لي به يلازم تقييمي في كل أمور حياتي .. ولك أن تتخيل ان باركس وأمثالها  عايشت مشهد أن تكون واقفا في المنطقة المخصصة للسود في محطة انتظار  الحافلة وامامك كرسي شاغر  وليس هناك من أحد ولكن لا تستطيع الجلوس عليه ولا تحت مظلته لحمايتك من الشمس الملتهبة أو المطر الكثيف والبرد القارس لأنك بمجرد الجلوس عليه ستعاقب لا لشيء سوى لأن المقعد مكتوب عليه" للبيض فقط" .. تقول  باركس في احد المقابلات التليفزيونية تأتي الحافلة واذهب مسرعة لها للهروب من البرد والمطر وادخل الحافلة مرتجفة وادفع الأجرة واتجه لمقعد فيناديني السائق" هيه.. إلى أين انتي ذاهبة.. انزلي واركبي من الباب الخلفي حتى لا أمر عابرة إلى مقعدي على نظر هذا الكائن الأبيض فاجرح حسه المرهف برؤية سواء بشرتي ..انزل كما طلب ولكني بعد نزولي مباشرة ينطلق  بالحافلة دون ركوبي ليتركني لأعود للمنزل على قدماي في هذا الجو الصعب .. ويكون هذا نفس السائق الذي طلب لي الشرطة بعدها لعدم استجابتي له في ترك مقعدي لرجل ابيض .. وهو الموقف الذي أشعل الحماس في وفي كثيرين مثلي للتغيير والمطالبة بالعدل والمساواة .. 

في1955 كانت هناك دعوة من الكنائس المخصصة للسود لمقاطعة الحافلات لما بها من تعديات على حقوق السود وفي اليوم التالي لتلك الدعوة تم القبض على باركس بتهمة إثارة الشغب وسوء السلوك  ودفعت غرامة إجمالية 14 دولارا واستأنفت ضد الحكم وتم مواصلة مقاطعة الحافلات لمدة 380 يوما  لحين الحصول على الحقوق ووقف مظاهر التفرقة وكان ذلك مصاحب بدور كبير لباركس التي كانت عونا لبطل ثائر آخر هو مارتن لوثر كينج أشهر من قاوم ضد العنصرية في عموم الولايات المتحدة الأمريكية بل وعموم العالم  ... والحقيقة أن الاعتقال لأشهر وغرامة الأربعة عشر دولارا غرامة رغم كبر مبلغها بالنسبة لسيدة بحال باركس قضت بدايات حياتها خادمة بالمنازل ومساعدة بالمشافي  ومتزوجة من نجار بسيط لم يكن مظهر التعنت والقهر الوحيد ضد السود في سبيل حق بسيط وبديهي في الجلوس على مقعد شاغر فقد كان مثل ذلك يحدث في دول أخرى من العالم مثل أوغندا وروديسيا (زيمبابوى) وجنوب أفريقيا التي كانت تفرض غرامة وسجن خمس سنوات كاملة لمجرد أن يفكر اسود في الجلوس على مقعد مخصص للبيض لتكون باركس ملهمة لكل سود العالم للتعبير عن كل مظاهر اللاعدالة والقهر والظلم  ..!!!