لم يكن القرن التاسع عشر يحمل كل هذا الرواج العلمي ولا التقنيات المتاحة أوالتجارب المعلومة ولا حتى قدرة البحث الميسورة ولا دروبها الكثيرة بل كان شحيحاً في كل ذلك وزاد عليه طغيان الجهل على العلم والقوة  على الحكمة والعدل ..

وسط ذلك كان الشاب إدوارد جينر قد قرر ان يتخصص في الطب وعلومه متخذا طريقه من فصول الريف الإنجليزي في بريكلي  إلى مدنية الحياة الرغدة لندن وقد اختار الطبيب جون هانتر ذلك الطبيب الماهر ذائع الصيت ليتتلمذ على يديه ويستقي خبراته.. 

كان الجميع يعاني من تلك العدوى التي راح ضحيتها الملايين أكثرهم من الأطفال.. عدوى مخيفة ،وقاسية  حتى وإن نجوت منها فستبقيك مشوهاً بقية حياتك..! نعم إنه ذلك  اللعين الذي أودى بحياة أكثر من 60 مليون شخصاً حول العالم في ذلك الوقت  ؛ إفترسهم وسط محاولات دائبة وخائبة في حصاره ولم يكن ليشغل كل الأطباء شيئا أكثر منه ولكنه أبداً لم يحترم إنشغالهم ولا أبحاثهم وظل يفتك بالجميع دون رادع أو مانع.. إنه الجدري!! 

إدوارد جينر وحلابات البقر!! 

لم يكن إدوارد جينر ببعيد عن الأحداث بل إنه كان جزءاً منها وهو يري جيرانه كبارهم وأطفالهم وهم يعانون ويقعون فريسة تلو الأخرى في مشاهد جامدة وصادمة.. مشاهد حركت داخله ذكريات الجدري في الريف القادم منه و تلك الفتيات حلابات البقر اللاتي كن يراهن في بلدته وقد كانت الكثيرات منهن مصابات بنوع من الجدري هو أقل شدة ووطأة وأقل أثراً من جدري البشر هو جدري البقر بحكم عملهن وملازمتهن للبقر لفترات كبيرة، وتذكر تلك الفتاة التي كانت تجاذبه الحديث مرات ومرات ومن بينها تلك المرة التي قالت له بعفوية "أن من حسن حظي أنني أصبت بجدري البقر وأنا صغيرة وأن ذلك الجدري لم يترك في اثراً ملحوظاً كذلك الذي يتركه جدري البشر إضافة أنه حصنني منه فلن أصاب بالجدري البشري طيلة عمري"!! 

لم يكن هذا معتقد الفتاة وحدها بل كان معتقد الكثير من أهل الريف خصوصاً من له علاقة بالبقر من مزارعين وحلابات بحكم خبرتهم في التعامل مع البقر والإصابة بالجدري البقري والبشري على مر العقود، وهو الإعتقاد الذي سيطر أيضاً على مخيلة إدوارد جينر وجعله يستدعيه دائماً كلما فكر في كيفية العلاج أو الوقاية من الجدري حتى أنه فاتح طبيبه ومعلمه جون هانتر في الأمر وذكر له ذلك كونه حقيقة عايشها بنفسه وطرح عليه فكرة أن نستخدم شىء من التقيح الذي يتركه جدري الأبقار في بؤره على الجسم ونحقنها بكمية معينة ومضْعفة فيمن لم يصاب لنقيه الإصابة، لكن السيد هانتر لم يعره الإهتمام على ما يبدو وأحبطه ذلك ولكن ذلك لم يمنع الفكرة من أن  تسيطر على رأسه وأن يحاول تطبيقها.. 

جيمس فيبس الطفل الضحية لأفكار ادوارد جينر !! 

في عام 1796م كانت الفكرة قد إختمرت في عقل إدوارد وحاول أن ينفذ ما يدور في مخيلته ولكنه اصطدم بعقبة من يجري عليه تجربته فمسألة أن يأخذ عينة من شخص قد أصيب بجدري البقر سابقاً هي مسألة سهلة نوعاً مقارنة بإقناع شخص سليم لحد اللحظة وحقنه به محاولاً إقناعه بأنه سيكون سبباً في نجاته،وهناك من إدعى أن الدكتور إدوارد لم يجد من يقنعه فأجرى محاولته على ابنه الصغير لإعطاء الأمر تراجيديا أكبر ، لكن هذا لم يثبت والثابت أن الطفل الذي قبل أبواه بالأمر هو الطفل جيمس فيبس وهو أول من أجريت عليه المحاولة بعد أن تم سحب عينة من حلابة البقر الآنسة سارة نلميس التي كانت مصابة بجدري البقر وإختار توقيت معين من فترات العدوى ليسحب العينة من يديها وهي المحاولة التي أجريت في بريكلي مسقط رأسه  وتسببت في ارتفاع درجة حرارة جيمس في بادىء الأمر ثم ما لبثت أن عادت لطبيعتها ثانية..معلنة نجاح التجربه لكنه لم يكن ليعلن ذلك إلا بتجربه ثانية.. 

الهجوم على جينر.. الطبيب بيرسون يسرق الفكرة وينسبها لنفسه! 

عاد إدوارد إلي لندن بعد ذلك ليخوض التجربة ثانية أملاً في نجاحها مرة أخرى إيذاناً بالإعلان عنها رسمياً، لكنه فوجئ بالطبيب جيه انجينهاوس ينتقد الفكرة ويحاربها وقد إنحاز الكثيرون له وأيدوه ضد تجربة إدوارد جينر ونددوا بمخاطرها وعواقبها ووقف جينر مدافعاً عن نجاعة أسلوبه وخلوه من المخاطر، وفي أثناء ذلك خرج طبيب آخر اسمه جورج بيرسون يدعي أنه صاحب الفكرة وأكد على نجاحها وضمان نتائجها وأعلن أنه سيقوم بالتجربة بنفسه ليطمئن الناس ولكن لعدم درايته الكاملة بالطريقة وكيفية تطور الجدري البقري وتنوعه بين نوعين أحدهما أقل خطراً من الأخر وهو ما استعان به جينر فقد فشلت تجربته وظهرت تجمعات صديدية على جسد من قام بحقنه شبيهة بتلك التي يسببها جدري البشر بما كاد أن يقتل الفكرة في مهدها.. 

رجوع الحق لأصحابه والأمل في علاج كورونا المستجد ! 

بعد محاولة بيرسون المتهورة والجاهلة خرج ادوارد جينر ليوضح للناس أن الخطأ ليس في الفكرة ولكن في تنفيذها وأن بيرسون قلد الفكرة بدون دراية وإلمام كامل مما جعله يستخدم عينة فاسدة لأنه لم يفطن للنوع الواجب الإستعانة بمرضاه ولا للمرحلة المناسبة من الإصابة بجدري البقر التي ستعطي وقاية دون مخاطر، وما ساعد جينر في ذلك هو إعلان طبيب آخر في بيركلي اسمه دكتور كيلان أنه استخدم فكرة وطريقة جينر، ولكن جينر كان في حاجة لإتمام التجربة بنفسه مرة اخرى في لندن لكنه لم يجد من يرضى التجريب على نفسه او ذويه فعاد لصاحب تجربته الأولى جيمس فيبس الذي كرر عليه التجربة مرة أخرى ونجحت لتكون بداية تخليص البشرية من خطر ومرض كان سيفتك بها.. 

هذا ويعود الفضل لإدوارد جينر في تعريف العالم كله بالمناعة واللقاح والتطعيم فهذا الرجل الذي ولد 17 مايو من 1749 وتوفي في ال26 من يناير عام 1823 هو نواة تلك التطعيمات التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية لمحاربة الكثير من الأمراض والقضاء عليها كالحصبة وشلل الأطفال والسل والجدري الذي تم القصاء عليه نهائياً عام 1980 بفضل رجل أسس له قبلها بقرنين من الزمان تقريبا وهو الإنجاز الذي يعد هو الإشارة الأولى لكل آمال العالم في التخلص من فيروس كورونا المستجد عاجلاً أو آجلاً...