حين حضر لرأسي هذا التساؤل ظننت بأنني الوحيد الذي دار بمخيلته هذ السؤال ظنا مني أنه  ليس بأهمية سؤال مثل "كيف تقود الطائرة  ؟" ولا بمستوى أهمية سؤال  كيف تقنع الآخرين بذكاءك؟....

واكتشفت  اني لست الوحيد الذي تساءل هذا التساؤل وكذلك اكتشفت ان هذا السؤال كان أكثر أهمية وبكثير من سؤال "كيف تقود الطائرة ؟" وكذلك أهم من سؤال كيف تقنع الآخرين بذكاءك ؟ الذي ربما ليس له أهمية أصلا..!!!

كيف تقود الطائرة؟ 

في عام 1914 وتحديدا في أول أيام ذلك العام كان العالم والولايات المتحدة على وجه الخصوص على موعد مع أول رحلة طيران مدني عرفها العالم في ولاية فلوريدا الأمريكية حين أقلعت طائرة ثنائية تقلع وتهبط من وعلى سطح الماء و تقل شخصين قائد الطائرة وشخص آخر وقبل الإقلاع كان قد أجرى اقتراع لاختيار ذلك الراكب الاوحد الذي سيقوم بتلك الرحلة الرائدة ووقع الاختيار على أول راكب مدني وهو أبراهام فايل عمدة سان بترسبرج لقاء 400 دولارا أمريكيا في رحلة تستغرق 23  دقيقة لتعبر خلاله خليج تامبا ولم يكن وقتها يشغل العالم من هو قائد الطائرة وهو من الأهمية بمكان لا تجعل احد يتناساه كأول قائد طائرة مقلة لركاب مدنيين في التاريخ ولكن انصرف نظر الجميع ليغبطوا ذلك الرجل سعيد الحظ الذي استمتع بتلك الرحلة الخيالية.؛ وكذلك شغلهم تكلفتها ومدتها .. . حتى إنني ادعي ان  اسم أبراهام فايل وتكلفة الرحلة ظهر في الصحف أكثر بما قد يصل ل 20 مرة ضعف ذكر اسم قائد الطائرة وهو بالمناسبة توني يانوس...

.. وإذا علمنا أن شركة بوينج كانت قد أعلنت في احد بياناتها أن العالم يحتاج 558 الف طيار جديد خلال السنوات ال20 القادمة فسنجد أنه لو قسمنا هذا العدد على عدد دول العالم  ال 196 فبحسبة بسيطة سنجد أن نصيب كل دولة من هؤلاء الطيارين سنويا 142 طيار وهي نسبة غير دقيقة لاختلاف الأسطول الجوي في كل بلد عن الآخر ولكن مع إفتراض دقتها فلن يشغل ذلك أكثر من0.0000004% من سكان العالم في كل سنة  وهو رقم أقرب إلى العدم ومن جهة أخرى لو علمنا أن مستقلي الطائرات في العالم يوميا حوال 8 مليون شخص حول العالم فبلغة الأرقام أيضا سنجد هؤلاء يحتاجون إلى 32000 رحلة طيران حول العالم وبفرض عدم تكرار الطيار في كل رحلة وهو أمر مستحيل فسنحتاج إلى 32000 طيار حول العالم وإذا قسنا نسبة الركاب إلى سكان العالم سنجدها لا تتجاوز هذا الرقم0.001%  أما نسبة قائدي الطائرات إلى سكان العالم فهو 0.0000045% من سكان العالم ومن ذلك نصل الي أن القناعة بأن  سؤال كسؤال كيف تقود الطائرة نسبة إلى عدد المستفيدين والمهتمين منه هي نسبة ضئيلة لا تستحوذ إهتمام يذكر فيكون سؤالا غير مهم للعامة  !! 

كيف تقنع الآخرين بذكائك  ؟

نترك قيادة الطائرة ونأتي لسؤال أخر وهو كيف تقنع الآخرين بذكاءك؟ وهو سؤال يرى على أنه من أهم الأسئلة التي إجابتها تضمن لك انتباه الآخرين لك واستحواذك على تقديرهم..!! وبغض النظر عن كون محاولة إثبات الذكاء هي في حد ذاتها درب من الغباء ولكن هذ الرأي لن يعجب شخص يريد أن يتقدم لوظيفة مثلا فأسئلة اي مقابلة "انترفيو" معظمها يقيس ذكاء ،ونباهة الشخص المتقدم للوظيفة ويعتمد قبولك على سرعة بديهة واجتهاد في القدرة على إقناع المحاور لك حتى بقدرات ليست فيك لتصل لهدفك إضافة طبعا إلى خبرة ومهارة العمل والسمات الشخصية والتي بالطبع لن تكشف من جلسة سمر .... الخ

وإذا عرفنا ان  النسب الأكثر من الوظائف حول العالم تعتمد على النمطية والدراسة وعلى المجهود العضلي في تأدية مهامها  ومقارنة بالتي تعتمد علي الذكاء والتحليل فالثانية نسبتها لا تذكر  فالمصنع مثلا لا يحتاج إلى ذكاء في إدارته وإنما يحتاج إلى تطبيق علم الإدارة والي نظام محدد وكذلك  إلى آلات جيدة وعمال خبرة وذوي مجهود وفير ولا يمنع أن يكون من فيه ذكيا ولكن لن يكون العامل الأول بأي حال  وإذا نظرنا إلى مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات كمثال الأذكياء وهو مجال يحتاج المبتكر فيه إلى الذكاء ولكن لك أن تعلم أن أكثر من 97% من المقتحمين له من المقلدين ومقلدين فقط سواء في تكنولوجيا التصنيع المتجددة كل يوم أو تطبيقاتها التي تكتشف في كل ساعة... ومع ذلك فلا يلزم لهؤلاء 97% أن يكونوا أذكياء لأن مجالات عمل الأذكياء الابتكارية محدودة وبمجرد أن تحاول اقتحامها بأن تقنع الآخرين بذكاءك في الإجابات المتعوب عليها لشغل وظيفة وقت المقابلات فإنك للاسف ستنكشف مع أول تطبيق يحتاج لذكاءك المزعوم وهو أيضا سيكون وبالا عليك اذا جلبت لأجله في وظيفة لا تحتاج.. لأنك أنت الذي وضعته كمقياس لك ولكفاءتك في حين أن الأمر لا يستدعي سوى الدراسة والخبرة والتطبيق لنظام العمل إداريا وفنيا.. 

لنأتي للسؤال الأهم وهو أين تذهب فردة الشراب الأخرى في كل مرة ؟ ! 

يفقد يوميا البشر أشخاصا واشياءا مهمة في حياتهم  فقد نفقد عزيزا مخلصا أو حبيبا خالصا أو نفقد جوهرة ثمينة أو نفقد فردة لشراب لم ترتديه سوى مرة واحدة .. 

إن كنت أو كنتي  ممن لا يفقد ايا من فردتي شرابه خلال عمرك فابشرك أنت من عظماء العالم..!! 

موضوع فقد أحد فردتي الشراب يحدث مع 100 % تقريبا من البشر وان كنت لم تفقده بعد فالفقد قادم لا محالة ولكن أين تذهب تلك الفردة اللعينة في كل مرة..!! 

من الناحية العملية فتفسير فقد وغياب إحدى فردتي الشراب يكون للأسباب التالية 

الجوارب  قطع ملابس صغيرة وقد تنزلق احدي الفردتين في صرف الغسالة أو تختبىء في أحد الأركان العميقة للغسالة وتغيب لفترة طويلة دون العثور عليها وحين نعثر عليها تكون الفردة الأخرى اختفت لأي سبب 

في حال كانت كمية الغسيل كبيرة قد تدخل إحدى الفردتين في احد الجيوب أو تتواري داخل اي قطعة أخرى لها نفس اللون أو لون قريب. 

قبل غسل الشراب وأثناء نقل الملابس للغسالة قد تفقد احدي الفردتين في الطريق وكذلك بعد غسل الملابس ونقلها للمنشر فإننا قد نفقد فردة شراب والعكس كذلك. 

ولكن في واقع آخر فإن عملية فقد إحدى فردتي الجورب لا تتم فقط أثناء الاستعداد للغسيل أو خلال عملية الغسيل أو بعدها ولكن تتم في أوقات أخرى 

الاصح أن الشراب أو الجورب يرتدي لمرة واحدة فقط ثم يغسل ولكن أكثر من 90 % من مرتدي الجوارب يرتدونها مرتان وأكثر  من دون غسلها وكلهم يفقدون فردات جواربهم أيضا رغم أنها لم تذهب من وإلى الغسالة أو المنشر فما سبب هذا الغياب الدائم والمفاجىء....

في علم النفس يفقد الإنسان يوميا أشياءا دون أن يدري أو يدرك فقدها قد تفقد قلمك وبما انه كان آخر يوم للدراسة فأنت لا تعي انك فقدت قلمك لا لشيء إلا لأن أهميته لديك زالت كذلك الأمر بالنسبة لشخص كان يرتدي النظارة وقام بعملية تصحيح نظر فإن عدم حاجته للنظارة تسهل فقدها دون أن يدرك اصلا انها فقدت 

وهذا هو التفسير الأقرب لغياب الشراب فهو قطعة ملابس عديمة الشخصية ورغم أهميته للبعض الا انك قد تستغني عنه فمثلا لا يمكنك أن تذهب للعمل بدون بنطال أو جوب أو بدون شيء يستر الجزء العلوي لك أو بدون حذاء  ولكن قد تذهب للعمل بدون شراب وحين يخلع الإنسان ملابسه يكون الشراب هو القطعة الأقل أهمية فتوضع في أي مكان وحين نعاود الاحتياج له قد لا نجده لأنه لقلة الاهتمام لا نهتم أن كان وضع في مكانه الصحيح أو في أي مكان آخر ومع ذلك ننزعج لغيابه ويكون السؤال عنه من أكثر الأسئلة التي قد تصادف شيء مفقود .. فنجد السؤال عن الشراب أهم  لدينا رقميا  من السؤال على كيفية قيادة الطائرة ومن سؤال كيف تقنع الآخرين بذكاءك..!! ؟

فنقع في معضلة هل تكتسب الأشياء أهميتها بما تشغله لتفكيرنا أو بما تنفعنا به عند الحاجة لها ولو لم نحتاجها الآن  فرغم أن الشراب وفقد إحدى فردتيه شغل 100 % من العالم كسؤال الا ان فقد احدي فردتي الشراب بل وفقد الشراب كله لن تكون كارثة في حد ذاتها في حال أن قائد الطائرة لو فقد مهارة من مهاراته  في إدارة الطائرة وقت التحليق ستتحقق كارثة تزهق الأرواح وكذلك لو تطرقنا  لأهمية الذكاء بالنسبة للعمل حتى وإن  أصبحت محصورة في عدد قليل جدا من الأعمال والباقي هو تطبيق لعلم ودراسة  فستجد انك قد تجلس في منزلك طيلة عمرك لأنك لم تستطع  إقناع الآخرين بذكاءك...