الحكاية فيها "إنّ".. جملة اعتدنا سماعها حين لا نقتنع بالسرد الظاهر لشيء ما سواء كان حدثاً (فعلاً) أو رواية (قولاً) فيغلب ظننا أن للموضوع شأن آخر غير ما يظهر عليه ..، ويستغرب البعض لماذا إرتبط حرف إنّ بهذا الأمر دوناً عن باقي الحروف فالمعروف لغوياً أن "إنّ" حرف توكيد ونصب ينصب إسمه ويرفع خبره، ويؤكد جملته، ولكنه في حالتنا هذه يثير الريبة والشك لا التأكيد...

علي بن منقذ رجل من أهل حلب كان له ذكاء حاد وقوة ملاحظة، وصاحب رأي سديد، وبه من الفطنة ما يشار إليه بالبنان، وهو ما جعله صديق الحاكم بن مرداس، ونديمه، وجليسه، وظل الحال بينهما من ود إلى ود، ومن مجالسة سمر إلى مجالسة رأي حتى وقع خلافاً شديداً بينهما، وظن بن منقذ أن خلافة سيخلق نوعاً من الترصد له من قبل الحاكم، ولما خشي أن يبطش به الملك بن مرداس فقد حدثته نفسه أن يهرب إلى خارج حلب، وهم بالفعل لذلك، وفر منها.. 

كان إبن مرداس ما زال مشغولاً بأمر صاحبه الذي غادر فأرسل لكاتبه، وقال له أريدك أن تكتب رسالة لعلي بن منقذ فأجاب الرجل بالسمع والطاعة،وشرع في الكتابة فكانت الرسالة عادية للغاية، وقد ذكّر بن مرداس فيها بن منقذ بالصداقة التى كانت بينهما،وبود طلب منه العودة لحلب، لكن الكاتب كان صديقاً لإبن منقذ، وأحس بأن الملك سيغدر به أو سيفعل له مكروهاً، لكنه لم يكن يستطع أن يصرح بذلك لصديقه بشكل مباشر فتفطن أن يختم الرسالة ب (إنّ شاء الله)، لكنه كتبها بطريقة خاطئة، وذلك بتشديد النون في إنّ والمفترض أن تكون ساكنة، فلما وصلت الرسالة لإبن منقذ، وقرأها فطن إلى طريقة صديقه في تنبيهه وكأنه يقول له كما جاء في كتاب الله عز، وجل {إنّٓ الملأ يأتمرون بك} ، وأجابه برسالة تبدو هي الأخرى عادية جداً يبين إمتنانه للحاكم وعرفانه بفضله وذيلها بجملة (إنّٓا الخادم المقر بالإنعام)، فوعى صاحبه أنه يشير لقوله تعالى {إنّٓا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها} ففهم كلا الصاحبين صاحبه، ولم يفهمها الملك.. 

ومن هنا كان إستخدام الحكاية فيها  "إنّ" او "إنّٓا" لبيان ما لم يحمله الظاهر من القول أو الفعل بما يحمل المكر والخداع...