عرف العرب منذ القدم بخصال الشهامة والمروءة والكرم حتى أنهم صاروا مضرباً للأمثال فيها ومن أكثر ما عرف عن العرب إكرامهم للضيف وحفاوتهم بأبناء السبيل وجودهم بالغالي والنفيس في سبيل إسعاد وإمداد المنكسرين والمحتاجين والملهوفين..وكانوا  يطلقون على الكرماء مقولة "أناس لا تطفأ لهم ناراً "حيث كانت النار المشتعلة دليل قدح وشوي وضيافة.. 

وقد حضر جماعة من العرب الحديث عن الكرماء في عصرهم فكان لكل فئة منهم رأياً فيمن يروه أجود الكرماء فإنبرى أحدهم للحديث عن كرم عبدالله بن جعفر وكيف أن كرمه فاق كل كرم وأنه لا يضاهيه كريم فأثار ذلك آخر وجد أن قيس بن سعد بن عبادة هو من غلب الجميع في كرمه قبل أن يصيح ثالث من لم يصادف كرم عرابة الأوسي فما صادف كرماً ولا عرف للجود معنى فإحتار الجمع أي الكرماء أكرم حتى قال أحدهم دعونا نترك المرسل من الكلام ونرى أيهم أكرم عملاً لا كلماً علينا أن نتعرف على كرمهم بالتجربة ورؤية العين ما رأيكم لو أرسلنا لكل منهم رسول يختبر مدى كرمه فأيدوه وعزموا على ذلك...

كانت البداية مع عبدالله بن جعفر  فقد ذهب إليه أحدهم فوجده يهم بالركوب للسفر  فقال  له يا ابن عم رسول الله جئتك سائلاً قال مرحباً بالسائل قال  أنا إبن سبيل نفذ مالي وزادي وكان عبدالله قد وضع إحدى قدميه في الركاب فنزع قدمه عن إبله وقال للرجل ضع قدمك مكاني فإن لك ما كان لي وهو كله لك ولكن إحرص على ذلك السيف فإنه من سيوف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلا تتصرف فيه فركب الرجل الرحال فوجد عليها ثياباً فاخرة وذاداً كثيرة وصرة بها ٱربعة آلاف دينار فأخذهم وذهب إلى قومه...

أما الثاني فقد ذهب إلى قيس بن سعد بن عبادة ولما طرق الباب فتحت له جارية له فسألها عن قيس فقالت له قل لي ما حاجتك فيه  فإنه نائم فإن كانت حاجتك هينة قضيتها لك دون أن أوقظه وإن كانت غير ذلك أيقظناه فقال لها أنا إبن سبيل نفذ مالي وزادي فقالت له أمرك أهون من أيقظ لك أميري وذهبت لتحضر له كيساً من الدنانير به سبعمائة دينار أقسمت له ما في بيت قيس سواهم من المال ثم قالت إذهب إلى معاطن إبلنا فخذ منها راحلة وما يلزمها واختار عبداً لتأخذه معك ويقوم على خدمتك  فأخذ ذلك كله وذهب لقومه، ولما إستيقظ قيس أخبرته جاريته بما حدث فقال لها أفعلتي كل ذلك بدلاً عني؟ وأنا نائم والله إنك لحرة وأعتقها مكافأة لها لحرصها عليه وعلى خيره... !!!!!

... وأما الثالث فذهب إلى عرابة الأوسي  فوجده في طريقه للمسجد للصلاة وقد أسن (طعن في السن) وكف بصره ويتعكز على عبدين لا يقدر على الحراك بدونهما فقال له الرجل أنا ابن سبيل نفذ مالي وزادي وجئتك قاصداً فقال عرابة: أواه.. أواه ما تركت الحقوق لعرابة مالاً... ،ولكن خذ هذين العبدين فهما لك فإستحى الرجل أن يهم بذلك وقال أستحي أن آخذهما وهما عكازيك وقدميك أستحي أن أقص جناحيك  قال عرابة سأتدبر أمري وهما لك خذهما إن شئت أو أعتقهما ولما أصر عرابة أخذهما الرجل وذهب لقومه...وذهب عرابة للمسجد يتحسس الطريق بصعوبة ومشقة.. . 

ولما عرف القوم بأمر ما فعل الثلاثة مع الثلاثة رسل إحتاروا في أن يختاروا من بينهم أكرمهم ولكن لما كان من عرابة أن إستغنى وهو صاحب حاجة وكان من أسياد قومه وبذل ماله للناس فقد إختاروه أكرمهم وقد قال أحد الشعراء فيه 

رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين.... 

إذا ما راية رفعت لمجد تناولها عرابة باليمين 

وسيثير إستغرابك لو عرفت أن أبو هذا الجيد الكريم كان أوس الأوسي وقد كان من كبار المنافقين وممن قالوا (إن بيوتنا عورة وما هي بعورة) وقد جاء عرابة يوم أحد يريد الجهاد فإستصغره النبي ورده وأجازه يوم الخندق

أما قيس بن سعد بن عباده فقد كان شديد الدهاء حتى أنه كان يقول أنه لولا الإسلام لما قدر عليه العرب من مكره ودهاءه وكان كريم بن كريم فكان ابوه سيد الخزرج وجده الثاني كان مضربا في الكرم حتى قيل فيه "من أراد الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة" فورث ذلك الكرم عنه حتى ان عمر وأبوبكر رضي الله عنهما قد قالا" لو تركنا هذا الفتى لسخاءه لأهلك مال أبيه" .. وقد كان محبوبا لدى الأنصار وكانوا يوقرونه ويجعلونه زعيماً رغم حداثة سنه حتى أنهم قالوا "لو نقدر على جمع أموالنا لشراء لحية لقيس لفعلنا" لما كانت اللحية مما يزين بها العرب وجوههم وعلامة تفخيم وكان قيس أجرد بلا لحية..

أما عبدالله بن جعفر فقد كان من صغار الصحابة وعلى صغر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه روى عنه الحديث وكان أصغر بني هاشم ممن عاصروا الرسول وقد بايع النبي هو وعبدالله بن الزبير وهما ابنا سبع سنين ولما رآهما النبي تبسم ومد لهما يده مبايعاً...